د. محسن صالح: الانتفاضة أعادت للقضية الفلسطينية اعتبارها


الخميس، 26 تشرين الثاني، 2015

يرى مدير مركز الزيتونة للدراسات السياسية د. محسن صالح أن انتفاضة القدس أعادت للقضية الفلسطينية صدارتها ومكانتها، موضحا أن الشعب الفلسطيني أثبت بتضحياته وبصموده أنه شعب صاحب حق يبذل كل ما عليه من أجله.

ويشدد صالح في حوار مع الوطن على أن الانتفاضة الحالية شكلت تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب الفلسطيني في التحرير والاستقلال، لافتا إلى أن الشباب الفلسطيني أبدع كالعادة في وسائل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وإلى نص الحوار:

كيف ترى وتقيِّم الانتفاضة الفلسطينية الحالية؟

شكلت الانتفاضة الفلسطينية الحالية تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب الفلسطيني في التحرير والاستقلال، وأبدع الشباب الفلسطيني كالعادة في وسائل مواجهة العدو؛ وظهرت على الأرض مظاهر الوحدة الوطنية التي تتجاوز الاختلافات الفصائلية والانقسامات الحزبية. كما أثبتت هذه الانتفاضة مركزية المسجد الأقصى والقدس في قلب كل فلسطيني وعربي ومسلم، فما أن تُمس حرمة الأقصى حتى يثور الفلسطينيون... ويفدوه بأرواحهم وبكل ما يملكون. وكما ترى، فإن الانتفاضة والعمل المقاوم عندما يتصاعد في فلسطين لا يشكل عنصر وحدة ومصدراً لتفجير الطاقات والإبداع لدى الفلسطينيين فقط، وإنما دافع لوحدة الأمة العربية والإسلامية وتجاوز خلافاتها الطائفية والعرقية والقُطرية، ورافعة لها للاهتمام بالقضايا الكبرى، كما تعيد الانتفاضة توجيه بوصلة الأمة باتجاه فلسطين وفي مواجهة العدو الصهيوني.

ما هي توقعاتك لمستقبل الانتفاضة؟

نسأل الله سبحانه أن يتمكن شباب الانتفاضة بإيمانهم وعزيمتهم وإصرارهم ووعيهم من تجاوز العقبات الكبيرة التي تواجهها الانتفاضة. تواجه الانتفاضة ثلاثة تحديات كبيرة قد تؤدي، لا قدَّر الله، إلى إيقافها وإطفاء جذوتها؛ وهي تحديات مرتبطة بالاستمرار والانتشار والاستثمار.

التحدي الأول هو تحدي الاستمرار، من خلال اجتياز عنق الزجاجة بالصمود واستمرار الفعاليات والإبداع في مواجهة محاولات خنقها إسرائيلياً وإقليمياً ودولياً، بما في ذلك قيام الإسرائيليين ببعض الإجراءات الشكلية والهامشية، التي تستهدف امتصاص زخم الانتفاضة وتفريغها من محتواها وإطفائها.

والتحدي الثاني هو تحدّي الانتشار وهو مرتبط بقدرة الانتفاضة على الانتشار في باقي المناطق الفلسطينية، وعدم بقائها متركزة في القدس والخليل. بحيث تصبح الانتفاضة هي البيئة العامة للحياة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.

والتحدي الثالث هو الاستثمار وهو مرتبط بتحولها إلى حالة منظمة ممنهجة، بحيث تكون لها قياداتها الميدانية وتشترك فيها كافة القوى الفلسطينية، وبحيث يكون لها برنامجها السياسي ومطالبها وأهدافها؛ وبشكل يقطع الطريق على استنزافها أو انحراف بوصلتها، أو محاولة استغلالها وركوب موجتها من بعض الذين لا يؤمنون بالعمل المقاوم، ويتطلعون فقط إلى تحسين مكانتهم في السلطة أو في مواقع التفاوض.

كيف يمكن توسيع هذه الانتفاضة؟

يمكن توسيع الانتفاضة من خلال المشاركة الفعالة لكافة الفصائل والقوى الفلسطينية، ومن خلال توقف أجهزة السلطة في رام الله عن التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإفساح المجال للشباب المنتفض للتعبير عن غضبه في كافة مناطق ونقاط الاحتكاك مع العدو. كما أن هناك حاجة كبيرة لتفعيل دور وسائل الإعلام في تغطية الانتفاضة وأنشطتها وإيجاد بيئة عربية وإسلامية وعالمية داعمة لها.

برأيك.. كيف يقرأ الاحتلال هذه الانتفاضة؟ وإلى أي مدى يتصور استمرارها؟

بالنسبة للاحتلال فإن الانتفاضة، إذا ما استمرت وانتشرت، تمثل خطراً كبيراً، فهي تكشف وجهه الدموي القبيح، وهي تعطّل مخططاته في تهويد الأقصى والقدس وباقي فلسطين، وهي تثير الذعر في مجتمعه الاستيطاني، وهي تهز الأساسين اللذين يقوم عليهما الاحتلال وهما الأمن والاقتصاد، فهي لا تعرضه فقط لخسائر اقتصادية فادحة، وإنما تدفع أعداداً كبيرة من الصهاينة للتفكير بالهجرة ومغادرة الكيان الصهيوني. والانتفاضة ترفع الغطاء عن مسار التسوية السلمية، وتقطع الطريق على مخطط الاحتلال في الاستمرار في مصادرة الأراضي الفلسطينية وملئها بالمستوطنين في بيئة مستقرة، تحت هذا الغطاء. إذ إن الاحتلال لا يريد الوصول إلى تسوية سلمية حقيقية، وإنما يريد إدارة عملية التسوية بما يُمكّنه من الاستمرار في الاحتلال والعدوان. سيسعى الاحتلال لإيقاف الانتفاضة بكافة الطرق الخشنة والناعمة، وسيسعى للتنسيق مع السلطة الفلسطينية في رام الله لمنع انتشار الانتفاضة، وسيلجأ لأصدقائه الأمريكان وغيرهم للمساعدة في محاصرة الانتفاضة وخنقها.

جرائم الاحتلال والمستوطنين تساهم في تصعيد الانتفاضة.. لماذا لا تتوقف إذن؟

الاحتلال والمستوطنون بين نارين، فإذا ما استمروا في جرائمهم، فإن ذلك سيدفع نحو مزيد من فعاليات الانتفاضة والمقاومة، وإذا ما توقفوا فإن الانتفاضة ستجد أنها بدأت تحقق أهدافها وتفرض أجندتها، ولذلك سيكون الشعب الفلسطيني أكثر اقتناعاً بجدوى الانتفاضة، مما سيدفع باتجاه انضمام مزيد من قطاعات الشعب الفلسطيني لها، ولمزيد من الفعاليات والإبداع ورفع السقف السياسي للمطالب لدحر الاحتلال.. كما سيبتعد الفلسطينيون أكثر عن مسار التسوية السلمية الذي أثبت فشله وعدم جدواه.

هل الاحتلال مقتنع بأن الجهود الدولية التي تبذل بالتنسيق مع السلطة ستقود لتهدئة؟

يأمل الاحتلال بذلك، خصوصاً وأن قيادة السلطة في رام الله تسيطر على حركة فتح والتي هي قوة كبيرة في الشعب الفلسطيني، كما أن قيادة السلطة تسيطر على الأجهزة الأمنية التي تقوم بدور فاعل في منع انتشار فعاليات الانتفاضة في باقي أجزاء الضفة الغربية. كما أن تواصل الأمريكان مع البلدان العربية التي تستجيب لضغوطهم، يسهم في محاصرة الانتفاضة سياسياً وإعلامياً وفي تخفيف التفاعل الشعبي العربي والإسلامي معها.

برأيك.. ما مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الأوضاع بالإقليم؟

المستقبل الوسيط والبعيد يسير باتجاه تحرير كل فلسطين من نهرها إلى بحرها، وعودتها عربية إسلامية، وإنهاء المشروع الصهيوني فيها بإذن الله. أما في المرحلة الراهنة، فإن المستقبل القريب يحمل تحديات كبيرة ومنعطفات قاسية تواجهها القضية الفلسطينية، وخصوصاً في ضوء حالة التفتت والضعف التي تشهدها المنطقة العربية، وفي ضوء انشغال دول المنطقة وشعوبها بقضاياهم ومشاكلهم المحلية؛ وفي ضوء حالة التشرذم والانقسام الفلسطيني، وهو ما أوجد بيئة استراتيجية مريحة للكيان الإسرائيلي، جعلته يُصعّد من عدوانه ويحاول تمرير مخططاته في التقسيم الزماني والمكاني للأقصى؛ غير أن الأوضاع الراهنة هي أوضاع مؤقتة مرتبطة بحالة التَشكُّل وإعادة التَشكُّل التي تشهدها المنطقة، وهي مرحلة انتقالية ناتجة عن ثورات الشعوب باتجاه الإصلاح والتغيير، وناتجة عن ردة فعل الأنظمة الفاسدة والمستبدة التي تستخدم كافة وسائل القمع وتستعين بالقوى الخارجية في سبيل البقاء. وسينتهي الأمر عاجلاً أم آجلاً بانتصار إرادة الشعوب، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى تشكيل بيئة استراتيجية محيطة بفلسطين المحتلة، داعمة لإرادة الأمة في النهضة وامتلاك عناصر القوة، باتجاه تحرير فلسطين وأرضها.

كيف ترى المصالحة الفلسطينية؟

لا تملك المصالحة الفلسطينية حالياً أفقاً حقيقياً للنجاح، بسبب عدم جدية بعض الأطراف في تنفيذها، وبسبب أن عدداً من ملفاتها الرئيسية يمكن تعطيله من قوى إسرائيلية أو خارجية. فهناك ثلاثة ملفات من ملفات المصالحة الخمسة يتحكم بها الطرف الإسرائيلي بشكل كبير. فالحكومة الفلسطينية لا يمكن أن تقوم بعملها في الضفة الغربية دون موافقة أو سكوت إسرائيلي، والانتخابات الرئاسية والتشريعية للسلطة لا تتم دون هذا السكوت أو الموافقة، وكذلك إصلاح الأجهزة الأمنية خصوصاً في الضفة الغربية. والمدخل الحقيقي للمصالحة هو إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، غير أن قيادة المنظمة (التي هي قيادة السلطة وفتح) ما زالت مترددة في إعطاء حماس وفصائل المقاومة نصيباً يتناسب مع حجمها الحقيقي في الشعب الفلسطيني.. وما زالت قيادة المنظمة تفكر في كيفية ضمان استمرار هيمنتها على المنظمة وعلى الساحة الفلسطينية. وما زال هناك تعارض حقيقي بين مساري التسوية السلمية والمقاومة المسلحة، وطريقة المحافظة على الثوابت الفلسطينية.

ما المطلوب فلسطينياً في هذه المرحلة بالذات؟

نحن بحاجة إلى مبادرات حقيقية وجادة من كافة الأطراف تتجاوز الضغوط الخارجية، وتؤسس لنظام سياسي فلسطيني يستوعب الجميع، ويحترم التعددية والتداول السلمي للسلطة، ويتمسك بالثوابت، ويُفعّل كافة طاقات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، كما يُفعّل الأبعاد العربية والإسلامية والإنسانية بشكل صحيح.

ومن الناحية العملية، مطلوب من أبي مازن وقيادة السلطة والمنظمة، دعوة الإطار القيادي المؤقت للاجتماع وتفعيل دوره في اجتياز المرحلة، ومطلوب منها عمل مراجعة حقيقية لاتفاقات أوسلو، والسلطة الفلسطينية، وإعادة تعريفها بما يدعم برنامج دحر الاحتلال وإنهائه، وليس بالشكل الذي هي عليه الآن.. والذي يستفيد منه الاحتلال بشكل أساسي.

كيف ترى الدعم القطري لفلسطين؟

تقوم قطر بدور رائد في دعم الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه؛ وتلعب أحد أهم الأدوار في إعمار قطاع غزة، والتخفيف من الحصار وآثاره. ولها دور سياسي وإعلامي متقدم، مقارنة بغيرها، في دعم القضية الفلسطينية واحترام الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني، في انتخاب قيادته وبناء مؤسساته الوطنية، وفي الدفاع عن نفسه بكافة الوسائل التي تؤدي لتحرير أرضه ونيل استقلاله.

المصدر: الوطن، الدوحة


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |