هل نحن بحاجة لإعادة إنتاج الحالة الوطنية الفلسطينية؟

بقلم: أحمد الحيلة

شكّل قرار مجلس الأمن المتعلق بإدانة الاستيطان الصهيوني والدعوة لوقفه، والصادر بامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت، مصدر ارتياح لدى القيادة الفلسطينية والدول العربية، ما استدعى رفضا وغضبا صهيونيا على القرار وعلى إدارة الرئيس أوباما الذي ستنتهي ولايته في الـ19 من الشهر الجاري.

ومع أن القرار يُعد خطوة إيجابية من حيث الشكل، إلا أنه لم يُضف مضموناً سياسياً جديداً للقضية الفلسطينية التي تراوح مكانها بتوقف مسار التسوية السياسية منذ حزيران/ يونيو 2014، نتيجة لرفض الاحتلال الالتزام بمفردات ومفاعيل الاتفاقيات السياسية الموقعة مع السلطة الفلسطينية، باستثناء التنسيق الأمني الذي يقع أثره الإيجابي على حماية المستوطنات والمستوطنين الذين يعيثون فساداً وإرهاباً في الضفة الغربية.

قرار مجلس الأمن الجديد في شكله، إنما هو قرار توافَقَ مع سيناريو الحل السياسي الذي غرقت فيه منظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي والقائم على حل الدولتين، وهو السيناريو الذي تعاطت معه الإدارات الأمريكية حفاظاً منها على إدارة المفاوضات السياسية بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، لأن البديل يتجسد في تفاقم الأزمة وارتفاع مستوى العنف بين الطرفين، كنتيجة طبيعية لاندثار حلم الفلسطينيين في دولة على الأراضي المحتلة عام 1967م

وما الموقف الأخير لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري الخاص بعملية التسوية، الذي لاقى ارتياحاً لدى رئاسة السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية، إلا تعبيراً عن رغبة الإدارة الأمريكية في استمرار العملية السياسية رغم فقدان إعلان "كيري" لمفعوله السياسي مع نهاية ولاية الرئيس أوباما.

البناء الدائم والمتكرر على تلك المواقف دون خطوات عملية،ودون إلزام حقيقي للاحتلال بها، وهو واقع الحال، يعد وهماً وسراباً فارغاً من مضمونه، ولا يخدم سوى الاحتلال المستفيد من تقطيع الوقت في خدمة الاستيطان ومشاريع التهويد التي لم تتوقف منذ عقود طويلة.

علّة القضية الفلسطينية مركّبة، ولكن العامل الداخلي فيها هو الأهم، وبدون إصلاحه سنبقى ندور في حلقة مفرغة، وسنبقى نشعر أننا ضحية للعجز العربي وفريسة للانحياز الغربي للاحتلال ومفاعيله الكارثية على الأرض والإنسان.

وقبل أن نتطرق للحديث عن المستقبل واقتراح ما يمكن عمله لتحريك المياه الراكدة رغم الأوضاع الصعبة والمعقدة، لا بد من المرور سريعاً على المعوقات والإشكالات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، ومنها على سبيل المثال:

• انحياز الإدارات الأمريكية للاحتلال الإسرائيلي؛ فالرئيس أوباما الذي مرّر القرار في مجلس الأمن، هو ذاته الذي اعتمد أكبر قدر من المساعدات للكيان الإسرائيلي خلال العشر سنوات القادمة بواقع 38مليار دولار أمريكي، إضافة إلى تسليمهالاحتلال الدفعة الاولى من طائرات الشبح (أف 35) لضمان تفوق الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة المنهكة بصراعاتها الداخلية. هذا ناهيك عن إدارة ترامب القادمة التي يُرتقب أخذها مواقف أكثر تشدداً من الفلسطينيين، حيث دشّن ترامب مواقفه الاستباقية برفضه تمرير إدارة أوباما لقرار مجلس الأمن الداعي لوقف الاستيطان قائلاً "إن الأمم المتحدة لن تبقى على ما هي عليه بعد 20 كانون الثاني/ يناير"، وهو تاريخ تسلمه إدارة البيت الأبيض.

• عدم تجاوز الاتحاد الأوروبي السقف الأمريكي بشأن القضية الفلسطينية وعموم القضايا الدولية، وما إعادة الحديث عن المبادرة الفرنسية المرتقب طرحها مجدداً بداية عام 2017م، والتي رفضها نتانياهو العام الماضي، إلا خطوة للاستهلاك الإعلامي، ولملء الفراغ خشيةً من انهيار السلطة وتقدم قوى المقاومة الفلسطينية كبديل في مواجهة الاحتلال الذي يتمدد في الضفة الغربية عبر مشاريعه الاستيطانية.

• عجز الدول العربية، وانهيار منظومتها الإقليمية، واستنزافها في صراعات طائفية ومذهبية، علاوة على سعي العديد منها لمد جسور التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي طلباً لرضاه ولرضا الإدارة الأمريكية بذريعة مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، يعد وصفة جديدة للتشرذم وتشتت العرب والمسلمين العمق الطبيعي للقضية الفلسطينية.

• ضعف القيادية السياسية للشعب الفلسطيني المتمثلة بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، حيث ساهمت الثانية بتقويض الأولى، وفشلت هي إدارياً وسياسياً في تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني عبر تسوية سياسية توقفت مفاعيلها،باستثناء التنسيق مع الاحتلال ولصالحه.

هذا بالإضافة إلى استمرار الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس، وعجز قيادة حركة فتح والرئيس محمود عباس عن تجاوز الفيتو الصهيوأمريكي الرافض للمصالحة الوطنية، خشية انهيار السلطة ومؤسساتها بوقفالمساعدات المالية الخارجية..، ما حوّل السلطة الفلسطينية واقعياً لمجرد إدارة ذاتية ينهشها الفساد الإداري والمالي، والسياسي بتبدل الأولويات وتعاظم الانقسام الداخلي (عباس–دحلان/ فتح–حماس)، وانقطاع التواصل بين الضفة الغربية والقطاع.

وفي هذا السياق فإن إعلان الدكتور موسى أبو مرزوق القيادي في حماس، وبمعزل عن مدى صوابية هذا الموقف من عدمه..، فإن مجرد إعلانه عن خيار إقامة حكومة فيدرالية لجسر العلاقة بين الضفة والقطاع ولتجاوز أزمة الانقسام السياسي المتفاقم بين حركتي فتح وحماس، تعبير عن عمق الأزمة الفلسطينية الداخلية، وعجز الساسة عن قيادة المرحلة بكل تجلياتها الصعبة والمعقدة.

• أخيراً.. الإنسان محور الحدث والقضية؛ فدولة الاحتلال قامت على مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فكانت الديموغرافيا قلب الصراع منذ العام 1948، فتم تهجير الفلسطينيين قسراً من مدنهم وقراهم لصالح المهاجرين اليهود، كما تجلّت حرب الديموغرافيا في أعقد صورها في مدينة القدس التي يحاول الاحتلال الصهيوني تفريغها من الفلسطينيين كجزء من معركة التهويد بالتوازي مع تغيير معالم المدينة الإسلامية والمسيحية.

وإذا نظرنا في هذا الملف (عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجّروا منها)، من الزاوية الفلسطينية وكيفية إدارة القيادة السياسية له؛ فإننا نجد أداءها ونتائج المفاوضات والاتفاقيات التي وقعتها وما زالت تتمسك بها، قد أفضت - فالحكم على النتائج وليس النوايا - إلى تحقيق الرؤية الإسرائيلية بشكل كبير عبر التخليعن حق العودة لأغلبية الشعب الفلسطيني الذي حمل عبء الثورة والنضال عبر قرن من الزمان.

وفي هذا السياق فقد كشف المركز الفلسطيني للإحصاء مؤخراً عن تعداد الشعب الفلسطيني، وفقاً للأرقام التالية: بلغ عدد الفلسطينيين نحو 12.7مليون نسمة، منهم 4.88مليون، ما نسبتة 38.4% تقريباً يعيشون في الضفة والقطاع (التي تتطلع السلطة لإقامة الدولة الفلسطينية عليها)، ومنهم 1.53مليون، ما نسبته 12% تقريباً يعيشون تحت السيادة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، ومنهم نحو 6.286مليون يعيشون في الدول العربية وبقية دول العالم، أي ما نسبته 49.496% من الفلسطينيين يعيشون لاجئين ومبعدين قسراً عن وطنهم. وإذا كانت القيادة الفلسطينية العتيدة، أسقطت حق العودة عملياً من حساباتها السياسية بشهادة اتفاقية أوسلو والاتفاقيات السياسية الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي إلا من نسبة رمزية لا تتعدى 2% بأحسن تقدير مقارنة بما كان يفاوض عليه الرئيس الراحل ياسر عرفات، فإننا عملياً نقف أمام مشروع تصفية حقيقي للقضية الفلسطينية، هذا إن أحسنا الظن بأهداف وقدرات القيادة السياسية للشعب الفلسطيني.

أمام حجم هذه الكارثة التي تتعمّق باستهداف التواجد الفلسطيني في دول الطوق عبر تقليص خدمات وكالة "الأونروا"، بالإضافة إلى الاضطرابات الأمنية في سوريا ولبنان وعموم المنطقة والتي أدّت لنزوح أو هجرة عدد كبير من الفلسطينيين بحثاً عن الأمن الذاتي، فإننا نقف في مواجهة سيناريو مرعب يتجسد في شطب حق العودة سياسياً وواقعياً بحكم تخلي القيادة السياسية عن واجباتها أولاً، وثانياً بحكم تشتت الفلسطينيين في القارات الست بعيداً عن فلسطين التاريخية، وما قد يعنيه ذلك منضعف الذاكرة التاريخية لدى الأجيال القادمة، وضعف الروابط الاجتماعية الوطنية بسبب الاندماج النسبي في المجتمعات الجديدة.

من هنا، لم يعد مقبولاً التعويل أو وضع البيض كله في سلّة القيادات السياسية المرتبطة بقوى إقليمية وعوامل مصلحية لا تلبي الحد الأدنى من الأهداف الوطنية، ما يستوجب علىالشعب الفلسطيني بما يمثله من وعي سياسي جمعي، وبما يمثله من نخب سياسية واجتماعية مرموقة وعريقة أن يأخذ زمام المبادرة حمايةً للذات من الاندثار، عبر البحث في سبل إنعاش القضية وحمايتها من الذوبان في سياقات التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط عموماً.

وهذا يدفعنا للإشارة إلى أهمية دور قوى المجتمع المدني الفلسطيني ممَثّلةً في الهيئات الأهلية، والشخصيات الوطنية، والمجتمعية، والأكاديمية، والثقافية، والإعلامية..، للتداعي والبحث في كيفية إعادة تأطير الحالة الفلسطينيةوتنشيطها في هيئة مدنية جامعة تمثل روح القضية وثوابتها الوطنية وفي مقدمتها حق العودة.

ومن الملامح التي يمكن دفعها للنقاش في هذه العجالة بخصوص تلك الهيئة نقترح ما يلي:

أولاً: أن تكون الهيئة إطاراً وطنياً جامعاً، مفتوحاً للفلسطينيين كافة (أفراداً وهيئات مدنية) فيما عدا الأطر الحزبية/الفصائلية.

ثانياً: أن تكون إطاراً يتمسك ويُعلي من شأن الثوابت الوطنية، بوثيقة تأسيسية غير قابلة للتعديل أو الإلغاء، وفي مقدمتها حق العودة.

ثالثاً: أن تُشكل مرجعية قانونية للاجئين الفلسطينيين بوكالة حصرية للتمسك بحق العودة ورفض التنازل عنه، والعمل معاً من أجل إنفاذه بالتعاون مع الأطر الوطنية، والهيئات الدولية كافة.

رابعاً: أن يعمل هذا الإطار المدني في العلن، وبأدوات مدنية سلمية معلنة.

هذه الفكرة ليست بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية التي يجسد بقاؤها للأسف مصلحة لمن يهيمن عليها من الفلسطينيين والدول العربية التي تتمسك بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وإنما نطرحها كفكرة لحماية الثوابت الوطنية من التنازل، وللتمسك بحق العودة المكفول بموجب القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة. ولتكون إطاراً ضاغطاً على الساسة، وقادراً على نزع الشرعية عمّن يفكر بالتنازل عن الحقوق الوطنية.

المصدر: عربي 21


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |