فلسطينيو لبنان وذكرى النكبة: كلمات حماسية خاوية


أحمد الحاج علي

كل هذا الحنين في تظاهرات مخيمات برج البراجنة وشاتيلا ومار الياس، يُخفي قلقاً لدى اللاجئين أكثر مما يُظهر حماسة. فعدد المشاركين في ذكرى النكبة يتضاءل منذ سنوات، والصوت يخفت، والكلمات حماسية خاوية من أي مشروع سياسي يعطي اللاجئين أملاً. والحماسة وحدها لا تصنع انتصاراً، ولا حتى حراكاً جاداً.

الحنين القلِق

يشدّهم الحنين إلى قراهم شمال فلسطين، فيسمون أحياءهم بأسمائها، فهذه جورة ترشيحا، وذلك حي كويكات، وتلك تلّة شعب. لكن استعراض بعض الوقائع كفيل بسكب الكثير من القلق على الحنين. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، بدأ المشروع السياسي الفلسطيني يخطو الخطوات العملية باتجاه المشاركة في المفاوضات لإيجاد تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والوصول إلى صيغة تسمح بإيجاد كيان فلسطيني في الضفة وغزة.

يترافق ذلك مع صدور قوانين لبنانية في العام المذكور، ليشهد المجتمع الفلسطيني في لبنان هجرة واسعة، معظمها هجرة نخبوية، قدرها الراحل شفيق الحوت في مذكراته بأنها بلغت حوالى 70 ألفاً عام 1983 وحده. تبع ذلك حروب استهدفت مخيماتهم. لم تعد النكبة محصورة بعام 48، بل امتدت لتكون نكبات متواصلة لعقود مديدة. وامتد معها الحنين القلِق.

وجاء أوسلو، ووضع الكيان السياسي الفلسطيني قدمه في حدود الدولة الفلسطينية الموعودة. أخذت الأونروا تحصر خدماتها عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لتغدقها في أراضي التسوية. والفصائل الفلسطينية الرئيسية رمت بثقلها السياسي والمالي بالضفة وغزة. أصبحت موازنة الضفة وغزة بأصفار مليارية، ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بلا خدمات أساسية، ومرضاهم بلا طبابة، ومحظوظ منهم من يؤمّن أقساط دراسته الجامعية.

حتى بخطابات القادة الفلسطينيين الرئيسيين سقط اللاجئون إلا من عبارات عابرة، من دون تبنٍ حقيقي لقضاياهم، ونضال يومي لتحقيق مطالبهم. لا مشروع اجتماعي لفصيل سياسي، مشروع برؤية وأدوات جديّة. صارت عبارة "شطري الوطن" أي الضفة وغزة، من الأدبيات السياسية للقادة الفلسطينيين على اختلاف توجهاتهم، واللاجئون الفلسطينيون في لبنان، هم خارج هذين الشطرين، يسكنون في المساحة القلقة.

فوق الصفر..

وما يزيد الحنين قلقاً، هو أن قلوبهم مع المقاومة، وعقولهم حيرى، فالواقع لا يمكن أن يسلّم تماماً بمقولة "إذ إننا ونحن نتراجع عسكرياً كنا ننتصر سياسياً"، كما جاء في بيان لفتح عام 72، فغياب القوة العسكرية المواجهة، ستضيف اختلالاً بميزان القوى. ومن جهة أخرى، فإن البيئة الإقليمية لا تسمح بحروب غير محسوبة، فمصر انخرطت بالتسوية، وسوريا اعترفت بالقرارات الدولية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 70.

ومن تزعم قطار التسوية من الفلسطينيين لم يقتنع أحد يوماً أنه خائن. فيوم انسحب "الشعاراتيون" من أرض الكرامة عام 1968، وطلبوا منه الانسحاب بقي ياسر عرفات وقال لهم "لنمت تحت جنازير الدبابات ونغير اتجاه التاريخ في المنطقة"، وهو الذي سينحاز للانتفاضة الثانية. لم يكن خائناً أبداً، وإن كان من الممكن نقده في السياسة والإدارة. وما بين خيار التسوية والمقاومة المفتوحة سيتحدث بعض اللاجئين عن خيار ثالث "فوق الصفر وتحت التوريط"، كما صاغه الكاتب غسان كنفاني عام 65. خيارات ثلاثة تزيد القلق توتراً.

حنين اللاجئين إلى أرضهم، ليس أصدق عليه من دم دفعوه، لكن القلق رافق مسيرة العطاء هذه، واليوم هو في ذروته. يزيده انكشاف موقف الأنظمة العربية من قضية فلسطين. فتاريخياً، من صرخ من النظام الرسمي العربي باسم فلسطين لم يكن يريدها سوى ورقة مساومة وتعزيز نفوذ بالمنطقة. هكذا كانت الجامعة العربية تصدر البيانات بتحرير فلسطين وتمنع حكومة عموم فلسطين من حضور اجتماعاتها. ويوم سمحت بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، لتحمل عنها بعض وزرها، حاولت أن تركن رئيسها أحمد الشقيري في الصفوف الخلفية، لولا جرأته، ودفعه بكرسيه رغماً عنهم.

على بعد نظرة

أنظمة عربية تصطنع فصائل فلسطينية لتقاتل بها فلسطينيين فتضاعف القلق لدى اللاجئين. ودول عربية ترفض أن يكون الفلسطيني مفاوضاً، منذ طُرح مؤتمر جنيف للسلام في النصف الثاني من السبعينيات، لأنها تريد أن تحتكر تمثيله. اللاجئون الفلسطينيون يتعرّضون لنكبات تُضاف إلى نكبتهم الأم. يخطب وزير خارجية العراق في الجامعة العربية خطاباً عن القدس وفلسطين مطالباً باتخاذ "إجراءات دبلوماسية واقتصادية جماعية للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وعاصمة دولته القدس الشريف". وبعد أيام من عودته إلى العراق يصدر قراراً بتجريد الفلسطينيين المتواجدين في دولته من صفة اللاجئ، ومن كل حقوقهم. وفي لبنان التصريحات العنصرية التي تستهدف الفلسطينيين من أعلى المناصب في السلطة لا تتوقف، ومعها "كل التضامن مع فلسطين وشعبها"، ولائحة طويلة من قوانين تحرم الفلسطيني أبسط الحقوق.

هو التاريخ حين يواجه الحاضر. فحكايات المقاومة والتهجير التي حفظها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عن آبائهم وأجدادهم، ما زالت تحفر في ذاكرتهم حنيناً وأملاً بالعودة يوماً إلى قراهم ومدنهم التي هي على بعد نظرة من حدود جنوب لبنان. ويأتي الحاضر بوقائعه، ليصنع قلقاً يزاحم الحنينَ مطرحه. يكبر الحنين ويتعاظم القلق، وصور نكبات لا تنتهي.

المصدر: المدن


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |