مئوية بلفور... الجريمة لم تسقط بالتقادم

بشير البكر

يمر اليوم قرن كامل على الوعد الذي قطعه وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفورللوكالة الصهيونية، من أجل قيام وطن قومي لليهود في فلسطين. ورغم أن الجريمة بلغت مئة عام من العمر، فإنها لم تسقط بالتقادم، ولا تبدو عليها ملامح الشيخوخة، بل إنها لا تزال سارية المفعول حتى اليوم بغطاء دولي.

قرن مليء بالأحداث والتحولات الكبرى والحروب العالمية. وضعت خلالهالحرب العالمية الأولى أوزارها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، التي تقاسمت تركتها في العالم العربي كل من بريطانيا وفرنسا. وكانت فلسطين من حصة بريطانيا في اتفاق سايكس بيكو، الذي فرض الانتداب البريطاني الفرنسي على سورية الكبرى والعراق في نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي هذه الفترة جرى إتمام الفصل الثاني من التعهد البريطاني بإقامة إسرائيل التي نشأت في حضن الانتداب البريطاني على فلسطين، ثم رعتها الدول الكبرى، واعترفت بها رغم أنها بدأت خطواتها بالعدوان والاحتلال وتهجير الفلسطينيين من وطنهم التاريخي.

تؤكد الوقائع أنّ بلفور كان أول النكبة، رغم أن التاريخ الرسمي يعتبر قيام دولة إسرائيل عام 1948 نقطة البداية، ومع أن الكثير من الأحداث والقضايا شاخت وماتت خلال هذا القرن، إلا أن بلفور بقي حياً إلى يومنا هذا، وهو يبدو كما لو أنه حصل منذ وقت غير بعيد جداً.

لا يبدو بلفور بعيداً، ولا تزال الذاكرة الفلسطينية طرية، ولم تستسلم الرواية الفلسطينية أمام الرواية الصهيونية القائمة على الخرافة التي استمدت قوتها وجبروتها من الدعم الأميركي غير المحدود.

لا يبدو بلفور بعيداُ لأن مشروع قيام إسرائيل فوق فلسطين لم ينجح في فرض واقع نهائي على الأرض، رغم أن اسرائيل شنّت حروباً عدّة بهدف تغيير خارطة الشرق الأوسط عن طريق التوسع والاحتلال.

لا يبدو بلفور بعيداً لأن الشعب الفلسطيني الذي أنكروا وجوده برهن أنّه صاحب الأرض، ولم يتنازل عن حقه أمام كافة التحولات التي مرت على المنطقة، وكان هدفها طمس الهوية الفلسطينية، ولدى كل منعطف كان يظهر جوهر هذا الشعب أقوى، وبان أنه أكبر من أن يحتل أرضه أو يمحوه أحد.

صحيح أن دولة فلسطين لم تقم بعد، ولكن قيام إسرائيل لا يعني أن دولة فلسطين لا تستحق الوجود على الأرض. معادلة منع فلسطين من الحياة لم تستقم رغم الدعم غير المحدود الذي حصلت عليه إسرائيل طيلة قرن، وفي مقابل ذلك لم يحظ الشعب الفلسطيني بدعم فعلي، يمكنه من مواجهة المشروع الصهيوني الذي جاء إلى فلسطين مسلحاً بكل الأسلحة العسكرية والاقتصادية والعلمية.

قرن كامل مر على وعد بلفور الذي أسس لتهجير الشعب الفلسطيني من فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني. وفي وسع هذا اليوم أن يكون، لنا نحن العرب، مناسبة للمراجعة التاريخية. ليس من الحكمة استعادة التاريخ من أجل تكراره، بل بهدف استخلاص الدروس، ولعل الدرس الكبير الذي علينا أن نقف أمامه اليوم، هو أن بلفور لم ينجح في محو شعب فلسطين، وذلك بفضل المقاومة المتواصلة التي أبداها هذا الشعب جيلا بعد جيل. والجدير بأن يتعظ من هذا الدرس اليوم بعض العرب، مثل النظام المصري الذي اختار أن يقف إلى جانب إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية، وأولئك الذين يهرولون إلى التطبيع معها، كما هو حال الإمارات والسعودية.

بلفور معاصرنا الدائم، مادام الزيتون يكبر في فلسطين، وطالما أن مفاتيح البيوت يحملها جيل بعد جيل. فلسطين باقية كهوية أقوى من النسيان، وحق تاريخي لا يقبل التزوير والنقصان.

المصدر: العربي الجديد


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |