عمران: "سمعت الطفل ينادي يا أمي..أريد أمي حتى نفخ روحه تحت التعذيب"



مجموعة العمل – أثير المقدسي

حكايتنا مع لاجئ فلسطيني عاش لأكثر من 60 يوماً تحت التعذيب في سجون النظام السوري وبدون تهمة، أراد راويها أن يحدّث العالم عن حجم معاناة الفلسطينيين في السجون والمعتقلات السورية، لقد شاهد جثث ضحايا التعذيب، وزاد من تعذيب جلاديه أنه فلسطيني _ حسب تعبيره، وما يزال يعيش بحالة من الخوف الشديد لهول ما رآه، ما جعله يتردد في الحديث عمّا جرى معه، أو حتى ذكر اسمه الحقيقي.

اللاجئ الفلسطيني "عمران" وهو اسم مستعار من مواليد مخيم اليرموك وقد تجاوز عمره 45 عاماً، تعود أصوله لقرية الخالصة بقضاء صفد شمال فلسطين، متزوج ولديه عدد من الأطفال، كان موظفاً في إحدى دوائر الدولة السورية، إلى أن اعتقل وأعفي من عمله.

نكبة مخيم اليرموك عام 2012

كنا كما الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين نعيش حياة جميلة في مخيم اليرموك إلى أن بدأ النظام السوري باستهدافه بقذائف الهاون وسقوط شهداء من أبناء المخيم، وجاء اليوم الأسود حيث قصفت الطائرات الحربية السورية مسجد عبد القادر الحسيني فيما سمي بـ "ضربة الميغ" حيث سقط أكثر من 100 مدني بين قتيل وجريح غالبيتهم من النازحين.

بعد ذلك اليوم هجرنا من المخيم عقب أنباء تحدثت عن نية النظام اقتحامه، تشردت آلاف العائلات والأطفال والنساء، ونزحت أنا وعائلتي وسكنا في منزل بريف دمشق، عانينا أصعب الظروف بعد الهجير.

كانت فرحتنا عارمة أنّنا وجدنا منزل للاستئجار، لكن الشتاء والبرد القارس أفسد علينا فرحتنا، لم نكن نملك أي وسيلة للتدفئة، ولا يوجد لدينا أي أغطية تقي برد الشتاء، غطيت أولادي بثيابنا إلى أن منحنا أهل الخير أغطية شتوية عسكرية وبالية لكنها كانت ثمينة جداً.

الرقم 227

يقول عمران كنت أذهب إلى الوظيفة يومياً وبشكل طبيعي، كان المسؤول عن عملي شخص طائفي من الطائفة العلوية، كان يقول لي علناً أنه سوف يتخلص من كل الفلسطينيين في دائرته.

وبتاريخ ١٢/٥/٢٠١٣ وعند انتهاء الدوام الرسمي كان بانتظاري هذا الشخص عند الباب الرئيسي للعمل، وقال لي عمران هل تعرف الرقم ٢٢٧ ماذا يعني، قلت له: لا أعرف ما هذا الرقم؟ ردّ عليّ، هذا فرع مخابرات طلبك للمراجعة.

يصف عمران ذلك اليوم قائلاً: كان هذا التاريخ مفصلياً في حياتي، رجعت لكي استلم البلاغ بشكل رسمي من الإدارة وبالفعل كان البلاغ وقد أمهر بألوان الأحمر والأخضر وسري للغاية وو.....وكأني إرهابي كبير ومخرب سورية.

ولكن اللافت أنهم أعطوني أسبوعاً للمراجعة، فقد كانت كفيلة أن أبرد أعصابي قليلاً وأواسي نفسي بأن التهمة لو كانت كبيرة كان اعتقلوني موجوداً من الوظيفة، وخلال فترة الأسبوع بدأت أقصد بعض الأشخاص لسؤالهم عن الموضوع، فالكل كان يقول ما عليك أي تهمة، انقضت المهلة وذهبت إلى فرع المنطقة في منطقة الجمارك بدمشق، وسلمت هويتي على الباب الخارجي للفرع.

كانت الدقائق الخمس وأنا أنتظر صعبة جداً جداً، دخلت إلى الفرع وانتظرت المحقق، وبعد حوالي ربع ساعة خرج أحد عناصر الفرع الأمني وبيده ملف، وقال انزل معي، ونزلت معه وكلي ثقة أنه لا يوجد أي اتهام، دخلت من بوابة كبيرة جداً ومطلية بالأسود وكتب على جانبها السجن، وهنا اسودت الدنيا في وجهي كسواد وقتامة باب السجن.

تعذيب ثم تعذيب

يضيف عمران دخلت إلى السجن وكان استقبال حافل للغاية، وخاصة بعد معرفتهم أني فلسطيني حيث انهالوا عليّ ضرباً، ناهيك عن السب والشتم والذي كان يدمي أكثر من الضرب.

بعد ذلك أرسلني المساعد إلى عسكري آخر، حلقوا شعري وكتبوا على كف يدي حرف "م "ورقم "٢٥" وما كنت أعرف ما هذا المعنى، قال لي انزل وآخر شيء ترى أحدهم وهو يتصرف معك، مشيت لوحدي فمررت بطريقي على مجموعة أشخاص يقدر عددهم بأكثر من ١٠٠ موجودين بمنطقة اسمها الشبك.

هذه المنطقة كانت مخصصة للمنشقين عن الجيش والفارين منه وهي على سطح الأرض وقد سقفت بشيء أبيض حيث تدخل الشمس، وبالإجمال يمكن أن تكون هذه المنطقة موجودة لإيهام أي منظمة ترغب بزيارة الأفرع الأمنية.

ذهبت حسب دلالة العسكري وبدأت أنزل وأنزل على الدرج، وكانت الكارثة أنني كنت أعد الدرجات، ووصلت في العد إلى الرقم ٥٦ درجة، وهذا يعني أنني تحت الأرض بحوالي أربع إلى خمس طوابق.

شاهدت أحد الجلادين فأرسلني إلى المنفردة المسماة "٢٥ "، ولكنها كانت جماعية مساحتها متر عرض بمترين طول، كان يوجد فيها ١٢ معتقلاً، تخيل جيداً ١٢ معتقلاً في هذه المساحة.

وينقل عمران مشاهدته لضحايا التعذيب داخل الفرع ويقول: كان كل يوم يموت ما بين ١٠ إلى ١٥ شاباً جراء التعذيب والأمراض، واما أنا فمنذ اليوم الأول لدخولي السجن تم استدعائي للتحقيق، وكان اليوم الأول جحيماً بكل معنى الكلمة، حيث لا تحقيق وإنما تعذيب، كانوا يركلونني بأرجلهم، قاموا بإطفاء سجائر الدخان في جسمي، وهم يشتمونني ويشتمون فلسطين وشعب فلسطين، وغيرها من أنواع وألوان التعذيب والتعذيب.

هؤلاء لم يكونوا من البشر، إنهم نسل مشوه، يقرؤون كتاب الله بالمقلوب لادين لهم، بعد ساعة تقريباً من التعذيب والضرب المبرح عدت إلى المنفردة، كنا نعرف اليوم من خلال فتات الخبز العفن مع قليل من اللبن بالكاد لا تشبع رضيع.

استمرت أموري على هذا المنوال قرابة عشرة أيام من التعذيب، تعرضت خلالها لشتى أنواع العذاب والقهر، كان من غير المسموح مشاهدة المحقق أو حتى الجلاد. ولاحظت أن النظام كان يستخدم أشخاصاً مدمنين على المخدرات والحشيش من أجل تعذيب المعتقلين بلا رحمة.

وعن أنواع التعذيب في المعتقل يحدثنا عمران" منه ماهو بالصعق الكهربائي، إضافة إلى استخدام عناصر النظام القضيب الأخضر وينادون عليه الأخضر الإبراهيمي، أضف إلى الشبح وهي ربط اليدين لساعات للأعلى مع الضرب.

وكان هناك شيء اسمه الكرسي الألماني كانوا دوماً يهددوني به خلال التحقيق، وهذا الكرسي هو كرسي الموت، واذا بقي للمعتقل حياة يؤدي به إلى الشلل، وكان هناك التعذيب الجماعي وذلك من خلال حرمان المعتقلين من شرب الماء، وأدى ذلك إلى حالات إغماء، وفي يوم حار حرمنا من مياه الشرب وبعد وقت طويل سمحوا بتعبئة المياه وكانت مخلوطة بماده شبيهة بالمازوت ولكننا شربنا.

أيضاً حرمان المعتقلين من الخروج إلى الحمام، وخروج لمرة واحدة في اليوم، وهناك بعض الحالات كان المعتقل يقضي حاجته على نفسه أمام المعتقلين، وتصور ماهي الحالة النفسية للمعتقلين في هذه الزنزانة".

ويردف عمران قائلاً: في قصة حدثت مع أحد المعتقلين رحمة الله عليه كان موجوداً في المعتقل قبلي بشهرين تقريباً وهو من ريف حلب، ويعمل حارساً في إحدى الفلل بريف دمشق، حيث تم اعتقاله بسبب وجود بارودة صيد.

و كان معروف أنه خلال التحقيق يبقى المعتقل معصب العينين "مطمش" لكي لا يرى المحقق، وذات يوم تم استدعاء هذا الرجل والذي كان يبلغ من العمر 40 عاماً، تأخر أبو ابراهيم كثيراً وبعدها عاد ضاحكاً مازحاً، وفي نفسه التفاؤل المفرط، وهو يمتدح المحقق أنه جيد التعامل و"ابن حلال" حيث أرخى عن عينيه قطعة القماش ورأى المحقق وقال له المحقق سأساعدك وعند المساء انقلب هذا الأمر رأساً على عقب حيث تم استدعاؤه للتحقيق، وماهي إلا فترة وجيزة نزل أبو ابراهيم إلينا بحالة يرثى لها، حيث تم سلخ وجهه وكسر جمجمته وهو يصيح ويبكي، نعم لم تمضي تقريبا ربع ساعة حتى فارق الحياة بين أيدينا في الزنزانة الحقيرة.

وفي إحدى المرات جاؤوا برجل وأولاده الأربعة وهم من داريا بريف دمشق، وضعوا الأب مع أحد أولاده في زنزانة والثلاثة الآخرين في زنزانة، وبعد أن تكاثر الوحوش في ضربهم لأحد أبنائه خرّ صريعاً أمام والده.

أما عن قصة الطفل الذي نادى أمه قال عمران: طفل لا يتجاوز 13سنة من عمره، كان ذلك عندما أحضروا باص من دوار البطيخة من أمام مخيم اليرموك، حيث تعرض للضرب الشديد وهو ينادي بدي أمي بدي أمي، وماهي إلا لحظات اختفى الصوت تماماً، وعند دخولنا إلى الحمام مساءً وجدناه ملقى مع الجثث الموجودة هناك، حيث كانوا يكدسون الجثث فوق بعضها وفي الليل يتم ترحيلها إلى أين لا لا نعرف؟.

ويتابع عمران قصته وهو في حالة نفسية يرثى لها، وبعد مرور ٦٣ يوماً على احتجازي، استدعاني المحقق وكالعادة تم اغلاق العين بمعنى آخر "تطميش"، وعند دخولي غرفة المحقق قال لي المحقق ضع بصمتك هنا، فبصمت ولكن لا أعرف على أي شيء، وكان المتعارف عليه أن كل شخص يبصم يتم ترحيله خارج هذا الفرع الدموي ربما إلى فرع آخر إلى عدرا إلى المحكمة المهم الخروج من هذا الفرع الجحيم.

وبعد أيام العذاب تم ترحيل عمران من فرع المنطقة إلى فرع الشرطة العسكرية في منطقة القابون بدمشق، حيث نام ليلة واحدة ثم رُحّل صباحاً إلى القصر العدلي بدمشق.

وفي أحد أيام الشهر السابع خرج عمران إلى الحرية، ويصف عمران يومه ذلك كيوم ولد من جديد لكنه منهك القوى، حيث كانت الأمراض تنهش جسده من الجرب بدرجة أولى، إلى كسل في الأذن اليسرى إلى أكثر من ذلك.

مشاهدته لمعتقل فلسطيني من عائلة موعد

يؤكد عمران أنه وخلال فترة اعتقاله بسجن المنطقة أنه رأى لاجئاً فلسطينياً من مخيم اليرموك اسمه أبو الحكم موعد بحسب اعتقاده، وهو من كوادر حركة فتح ويضيف عرفت لاحقاً أنه موظف في مشفى ٦٠١ العسكري، هذا الشخص كانت تهمته حسب قول أحد المعتقلين "تسميم أجهزة طبية من أجل قتل عناصر قوات النظام الذين يتعالجوا في المشفى، ولكن بعد خروجي بفترة أسبوع تم إبلاغ عائلته أنه قتل وكالعادة بسبب أزمة قلبية حادة.

معاناة شديدة بعد الحرية

واستمرت معاناتي مع المرض وخاصة السمع بعد خروجي بأسابيع، حيث سبب لي إحراجاً كبيراً لرفضي تركيب سماعة، بعدها قررت الاتصال بإدارة عملي من أجل العودة إلى العمل، وكان الرد أنه قد تم فصلي بسبب غيابي عن العمل لمدة ١٥ يوماً دون مبرر، مع العلم أن ورقة الاستدعاء تدحض مثل هكذا موضوع.

والكارثة بحسب عمران بعد خروجه أن الورقة تم اتلافها وضاع مستقبلي الوظيفي بحسب وصفه، وبعد أن ترمم جسمي وتعافيت والحمد لله من الجرب تحديداً، بدأت أبحث عن عمل، وحاولت أن أذهب إلى لبنان وكان الرفض، ممنوع من السفر بمعنى آخر ممنوع من الحياة.

كانت المراقبة الأمنية والمتابعة مستمرة، جعلوا حياتي جحيماً من خلال التنصت على جوالي ومتابعة تحركاتي، إلى أن تم إلقاء القبض عليّ من جديد في يوم ماطر من ٢٠١٧ على أحد حواجز دمشق.

وعلى الحاجز الأمني عرض الضابط المسؤول أن أعمل مخبراً لهم أو أنه سيعيدني إلى الفرع من جديد، وأعطاني مهلة تفكير فكان قراري الهروب إلى لبنان أنا وأفراد أسرتي، وعن طريق أحد المهربين وصلت إلى شمال لبنان.

جبروت جديد في لبنان

يواصل عمران حديثه "الحمد لله رب العالمين أنني تخلصت من تسلط وجبروت هذا النظام الظالم، لكننا واجهنا تجبّر جديد في لبنان، حيث يتم التعامل معنا كفلسطينيين قدمنا من سورية على أننا سياح، يتوجب علينا المغادرة بعد انتهاء الفترة المسموحة لنا الإقامة فيها.

وبحسب عمران فإن الفلسطينيين القادمين من سورية يعيشون أوضاعاً معيشية وإنسانية مزرية، وذلك نتيجة انتشار البطالة بينهم واستغلال أرباب العمل والأجور الزهيدة.

إضافة إلى الوضع القانوني الذي يتهدد الكثير منا، وتخلي الأونروا عن مساعدتنا، والحرمان من التأمين الصحي وغير ذلك، ما يجعلنا عرضة لأزمات ومشاكل عديدة.

وعن وضعه القانوني خاصة، يقول عمران متحسراً أن إقامته منتهية ولا يستطيع تجديدها، بسبب التكلفة وقلة الموارد المالية لديه، والخوف من الاعتقال والتسفير إلى

سورية والاعتقال مجدداً، وهو يعيش في لبنان على مساعدات أهل الخير.

ويختصر معاناته في لبنان بأنها "دمار بدمار"، ويطلب منا أن نلتمس له عذراً لرده القاسي على أسئلتنا بخصوص حكايته ويقول "والله عندي فوبيا من الأسئلة لا تؤاخذني شعرت نفسي وأنا بفرع مخابرات على الرغم من الأسئلة العادية"

مأساة وخوف عمران يعيشه آلاف اللاجئين الفلسطينيين سواء اعتقلوا أم لم يعتقلوا عند الأجهزة الأمنية السورية، فيكفي المرور على شهادات المعتقلين والمعتقلات ما يقشعر لها الأبدان، فيما لايزال آلاف المعتقلين الفلسطينيين المختفين قسرياً في سجون النظام، حيث تجاوز العدد 1680 لاجئ فلسطيني بحسب احصائيات مجموعة العمل ووثقت قضاء أكثر من 477 ضحية تحت التعذيب بينهم أطفال ونساء وكبار في السن، ولم تسلّم جثثهم حتى الآن حتى يدفنوا بشكل يليق بإنسانيتهم

أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |