الفلسطينيون بلا "أونروا"... ربّ ضارة نافعة

مأمون كيوان

تفيد أحدث الإحصاءات بأن عدد الفلسطينيين بلغ حوالى 13 مليوناً مع بداية عام 2018، أكثر من نصفهم بقليل يقيمون داخل فلسطين والباقي خارجها. وكان الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، أعلن أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» في عام 2016، بلغ قرابة 6 ملايين لاجئ، وأن اللاجئين يشكلون نسبة 42 في المئة من عدد سكان المناطق الفلسطينية، وما نسبته 17.5 في المئة من إجمالي اللاجئين يقيمون في الضفة الغربية، مقابل 24.5 في المئة في قطاع غزة. وبلغت نسبة اللاجئين المسجلين لدى «الأونروا» في الأردن 39.1 في المئة من إجمالي اللاجئين، في حين بلغت النسبة في لبنان 8.8 في المئة وفي سورية 10.6 وذكر تقرير آخر أن نسبة السكان اللاجئين في دولة فلسطين بلغت 41.5 في المئة من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين، وأن 26.2 في المئة من السكان في الضفة الغربية هم لاجئون، في حين بلغت نسبة اللاجئين في قطاع غـزة 65.3 فـي المئـة.

وفي الوقت الذي تؤكد المصادر الفلسطينية أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى لعدد اللاجئين الفلسطينيين. تتهم إسرائيل «الأونروا» والفلسطينيين بتضخيم عدد اللاجئين. في حين أنه في 1950 كان هناك 750 ألف فلسطيني لاجئ مسجل، فقد ارتفع العدد إلى 5 ملايين فلسطيني الآن. الزيادة لا تنبع فقط من التكاثر الطبيعي، بل من المعايير المتحررة جداً لهذه المنظمة في تعريف اللاجئين.

وتنفي إسرائيل وجود أي صلة بين ملايين اللاجئين وبين اللجوء إلا صلة مصادفة. وأن قسماً من اللاجئين غير موجود على الإطلاق. فالإحصاء السكاني الأخير في لبنان وجد أن ثلثي عدد اللاجئين الذين تبلغ الوكالة عنهم، ببساطة وهميين. 300 ألف نسمة غير موجدين إلا في تقارير الوكالة، أما في الواقع فقد اختفوا. ولذلك للوكالة مصلحة في تضخيم الأعداد.

ويعتقد بن درور الباحث الإسرائيلي الذي يدعو إلى القضاء على حق العودة، أن «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» UNHCR اعتنت منذ قيامها بأكثر من 50 مليون لاجئ، ولم يعودوا لاجئين. أما «أونروا» في المقابل، فقد بدأت تعنى بـ711 ألف نسمة، وحسب معطيات الوكالة، أصبح عددهم أكثر من 5 ملايين. ومن ناحية «الأونروا»، لا يوجد لاجئ واحد فقد مكانته هذه، حتى لو حصل على المواطنة، وحتى لو كان مليونيراً.

ولتقليص أعداد اللاجئين الفلسطينيين وتصغير أو تهميش مشكلتهم ترغب الولايات المتحدة في تبني تعريف لـ «اللاجئ»، يقلص عدد اللاجئين.

وفي هذا السياق، أجاز السيناتور مارك كيرك في 2012، تعديلاً على القانون الأميركي للمساعدات الخارجية يلزم وزارة الخارجية بإعداد تقرير عن العدد الحقيقي للاجئين الفلسطينيين، في ظل الفصل بين اللاجئين الأصليين الذين قسم منهم فقط يمكن أن يعتبر لاجئاً، وبين أنسالهم الذين وفقاً لكل تعريف دولي لم يعودوا يعتبرون لاجئين.

ولقد أعدت وزارة الخارجية الأميركية التعديل القانوني المطلوب. ولم يكشف عنه علناً في عهد إدارة أوباما. ولكن ما تسرب عنه أفاد بأن العدد الحقيقي للاجئين ، بلا الأنسال، يبلغ حوالى 30 ألف نسمة في أقصى الأحوال. بينما أعلن عضو مجلس النواب الأميركي داغ لمبورن عن الحزب الجمهوري، أنه يسعى إلى سن قانون جديد يعتبر عدد اللاجئين الفلسطينيين أربعين ألفاً فقط، وبالتالي خفض الدعم الأميركي للوكالة من طريق حصر تعريف اللاجئ الفلسطيني بمن تشرد خلال النكبة فقط، ومن بقي منهم في قيد الحياة، واستثناء نسلهم.

وصدر القرار الأميركي بتقليص المساهمة المقدمة للأونروا خلال 2018، إلى 65 مليون دولار، بعد أن كانت نحو 365 مليوناً في 2017. وصولاً إلى الوقف النهائي للمساهمة الأميركية.

واستند الموقف الأميركي إلى رزمة توجهات ومواقف إسرائيلية تمحورت حول الدعوة إلى حل «الأونروا» لأنها «أبقت على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بدلاً من أن تحلها»، حسب زعم نتانياهو الذي اقترح تحويل أموال الدعم المنقولة حالياً للأونروا إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وذلك تدريجياً وبشروط ومعايير واضحة بغية دعم اللاجئين الحقيقيين بدلاً من اللاجئين الصوريين الوهميين كما يحدث اليوم لدى «الأونروا». ودعم إسرائيل خفضاً تدريجيا لتمويل «الأونروا».

والزعم أن «الأونروا» هي المشكلة وليست الحل. وحول هذا الزعم كتب كل من إينات ويلف وآدي شوارتز في مقالتهما المعنونة، «الكيفية التي تمنع بها الأونروا غزة من الازدهار (6 حزيران 2018، صحيفة هآرتس)، أن «الأونروا نجحت في إخفاء غايتها السياسية المتمثلة في دعم المطلب الفلسطيني بـ «العودة»، والمصمم لإسقاط إسرائيل، وقد فعلت (الوكالة) ذلك تحت غطاء إنساني». ولأن الأونروا تعرّف الفلسطينيين كلاجئين، فإنها تمنعهم من التكيف مع واقعهم الجديد كغزيين. بالتالي، فإن الأونروا - وليس الحصار، وليس القصف المتكرر - هي التي تعرقل التنمية في غزة.

وطلب الكاتبان من إسرائيل أن «تتدخل مع الدول المانحة للأونروا... وتصر على أن تتوقف هذه الدول وتكف عن دعم المطالب الفلسطينية بإبادة إسرائيل من خلال دعمها للأونروا». وبدلاً من ذلك، يجب على الدول المانحة أن تلتزم بالقائمة التي يضعها الكاتبان من الوصفات السياسة. وعنذئذٍ، سوف تتفتح غزة وتزهر خلف أسوارها.

في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أنه توجد منظمات في الأمم المتحدة تقدم خدمات للفلسطينيين توازي بعض خدمات الأونروا، مثل الـUNDP، ووكالة التنمية، وUNOP. إذا أضيفت إليها مساهمات جهات مانحة وتنموية دولية وعربية وأهلية ورسمية فلسطينية في مقدمها الصندوق القومي الفلسطيني لا يمكن تلبية المتطلبات الإنسانية والمعيشية فقط للاجئين الفلسطينيين فحسب، بل سيتجنب كثر ذرف الدموع على غياب «الأونروا» المُحتمل.

عموماً، إن الأونروا لا تديم الصراع في وعلى فلسطين بل إن هذا الصراع هو الذي يديم «الأونروا». وعلى سبيل المثل لا الحصر، سيظل سكان غزة عرضة للخطر. وطالما أن معاناتهم تستمر، وطالما يظلون محرومين من حرية التنقل، فإن «الأونروا» يجب أن تظل موجودة.

وقد يكون غياب «الأونروا» في منزلة « رب ضارة نافعة» لجهة ضرورة مقاومة أشكال ابتزاز الشعب الفلسطيني سياسياً واقتصادياً وإنسانياً لتحويله إلى «شعب الكراتين» وليس «شعب الجبارين»... فالاستقلال الفلسطيني التام عن «الأونروا» يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح لحماية حقوق فئات الشعب الفلسطيني كافة وصيانة هويته الوطنية التي من الخطأ الجسيم اختزالها في بطاقة لاجئ التي لم توفر للفلسطيني في مخيمات اللجوء الحماية الدولية المنشودة على مدار 70 سنة.

المصدر: الحياة


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |