إلى متى أسلاك الكهرباء تزهق أرواحنا؟


ظاهر صالح

تتعدد المصاعب الحياتية وتتنوع المشكلات اليومية التي يعاني منها اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، لتضاف إلى سجل نكبتهم حكايات الذين قضوا قبل وبعد في صورة الموت المجاني جراء عشوائية تمديد الاسلاك والكابلات الناقلة للتيار الكهربائي وتشابكها مع شبكة وانابيب مياه الشرب وخاصة في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، والتي تشكل خطراً كبيراً وقاتلاً، سببه عدم الاهتمام من قبل الجهات المسؤولة والمختصة، دون تدخل سريع وفاعل، إضافة إلى تقاعس الجهات المعنية في المخيم والمتمثلة بالمؤسسات المسؤولة والمختصة في الدولة اللبنانية، ووكالة الأونروا ودائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين، والمجتمع الدولي ومؤسسات المجتمع المدني والتي لم تقدم حلولا شاملة لأي مشكلة من المشكلات الحيوية التي يعاني منها المخيم خاصة البنية التحتية للمخيمات حيث الفوضى في كافة أقسامها.

بالأمس قضى الفتى محمد عكاشة (16 عاماً)، صعقاً بالكهرباء، في مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت، التي يعاني اهله منذ زمن بعيد من مشكلة أسلاك الكهرباء الممددة بشكل عشوائي وخطير، ليصل عدد الضحايا حوالي ثمانين ضحية. مخيم برج البراجنة، لا يشبه غيره من المخيمات من حيث خطورة شبكة الكهرباء وقِدمها وعشوائية تمديدها، مما يزيد من وتيرة الحوداث والمخاطر اليومية، شيء مؤلم أن نسمع كل فترة عن وفاة شاب أو طفل صعقاً بالكهرباء نتيجة ماس كهربائي أو تداخل شبكة الكهرباء والمياه وخاصة في فصل الشتاء.

في العام 1954، دخلت الكهرباء للمرة الأولى خيام اللاجئين الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة، وفي بداية الستينيات وكان سكان المخيم يستهلكون نحو 250 أمبيراً فقط، حينها لم يتجاوز عددهم أربعة آلاف نسمة، أما اليوم فيبلغ عددهم نحو 50 ألف لاجئا. المشكلة في هذا الخصوص هي مشكلة بنيوية متجذرة ومرتبطة بعوامل متداخلة يصعب حلها بسهولة ولا يمكن حلها جذريا من جهة واحدة، لكن ذلك ممكنا إذا تضافرت جهود كافة الجهات المعنية والتي تتمثل بالجهات المختصة في الدولة اللبنانية ووكالة "الأونروا" ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بدائرة شؤون العائدين واللجان الشعبية الفلسطينية وبدعم وشراكة مع مؤسسات المجتمع الدولي.

القضية تكمن في ترتيب الأسلاك وتنظيمها فعندما يكون سلك الكهرباء ساخناً تذوب حمايته ويلتصق معدنه بماسورة المياه، ما يؤدي إلى الاحتكاك وهو ما يؤدي إلى صعق أيّ شخص يلمس الماسورة، لا (السلك فقط) وبهذه الطريقة، تصبح بيوت كاملة من الاسمنت مكهربة، فلا بمقدور أحد مدّ يده إلى الجدران خوفاً من الصعق، حتى الخشب المضاد للكهرباء يقتل كالحديد، بسبب قوة التيار في تلك الأسلاك، وعن الأسباب فإنها تعود إلى النقص بالطاقة الكهربائية وعدم تطوير الشبكة بما يتناسب مع الزيادة السكانية في المخيم وخصوصاً بعد الأزمة السورية، وسوء حالة الشبكة على امتداد الزمن بسبب التمديد العشوائي وتشابكها وتداخلها مع أنابيب مياه الشرب وانتشارها فوق رؤوس الناس، ثم أخيراً سوء الإدارة والتنظيم من قبل القائمين على لجنة الكهرباء.

تؤكد مصادر مؤسسة كهرباء لبنان أن لا علاقة للمؤسسة بتمديدات التوتر المنخفض، وبالتالي ليست مسؤولة عما يحصل داخل المخيمات على هذا الصعيد، وهي تأسف للحوادث التي تقع وتحصر الشركة مسؤوليتها بتركيب عدادات في المحطات بما فيها المحوّلات والكابلات من دون أي مقابل، أما الطاقة المفوترة من هذه العدادات، فما من جهة تسددها لكهرباء لبنان وهي تشكل أحد أسباب العجز في المؤسسة وتؤكد مصادر كهرباء لبنان أن ديون المؤسسة على المخيمات تبلغ 284 مليون دولار لغاية نهاية عام2017. يُذكر بأن السلطات اللبنانية لا تعترف بشكل رسمي بأي من اللجان، بسبب انسحاب لبنان من اتفاق القاهرة، لكن يؤكد المعنيين في اللجنة الشعبية التابعة لمنظمة التحرير بأن العلاقة مع السلطات اللبنانية ليست متوازنة فهي تعترف بوجودنا ساعة يحلو لها.

بذكر أن الاستهتار في تأمين مستلزمات وخدمات أساسية سمة تتشارك فيها جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان والتي تعاني من اهمال كبير في كافة المجالات، أما المصيبة الكبرى أن يترك مرفقاً حيوياً في الحياة اليومية مهملاً ومشكلاً كابوساً لحياة ابناء مخيم برج البراجنة، متصيداً أطفاله وشبابه عند كل سلك وعلبة كهرباء ممدودة على جدران مساكن المخيم وفوق رؤوس المارة فهذا ليس استهتاراً بل استخفافاً بحياة الناس هو الإهمال المتعمّد بعينه المؤدي للموت المحتم. إن التمديدات الكهربائية العشوائية تعود إلى غياب هيئة متخصصة تقوم بتوزيع الكهرباء بطريقة سليمة، بحيث لا تسبب أذى لسكان المخيم، اضافة إلى أن اللجان الشعبية القائمة لا تحوي متخصصين يستطيعون متابعة الأعمال اليومية بحرفية، تسهم في تجنب الأخطار الناتجة عن الكهرباء.

إنّ حلّ مشكلة الكهرباء في المخيم وأسلاكها القاتلة يكمن بتنظيم العلاقات بين المخيم والحكومة والاتفاق على مبدأ أساسي وجوهري يتمثل باعتبارنا ضيوفاً إلى حين مجيء وقت الرحيل والعودة إلى فلسطين المحتلة انطلاقاً من مقررات الجامعة العربية وبالتالي لا بد من تحديث الحوار مع الحكومة وتحديد واجبات اللاجئ تجاه الدولة المضيفة وحقوقه منها. يجب على أصحاب القرار الإصغاء لصرخة اللاجئين والبدء بورشة عمل إنسانية بعيداً عن السياسة، وكذلك مطالبة وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الأونروا بالاهتمام بملف الكهرباء داخل المخيمات الفلسطينية نظراً لمعاناة اللاجئين في هذا الملف عنوانها صرختنا مستمرة حتى يحصل اللاجئ الفلسطيني على حقوقه والعيش بكرامة حتى العودة إلى وطنه.

المصدر: مدونات الجزيرة


أرسل تعليق .
الإسم :
البريد الالكتروني :
التعليق:
الرجاء كتابة الأرقام أعلاه:

تعليقات حول هذا الموضوع .

 
 

| لاجئ نت  جميع الحقوق محفوظة © 2010  |