القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي
الأربعاء 7 كانون الثاني 2026

ليلة في مخيم مار الياس للاجئين الهنود!!

ليلة في مخيم مار الياس للاجئين الهنود!!

السبت، 09 آب، 2014
ضاهر صالح – لاجئ نت

صرخت بصوت عالٍ في ليلة صيف حارة وسط الصياح والعويل، أثارت خوفاً ورعباً في المبنى الذي أسكن في إحدى غرفه أنا وعائلتي. وظننّا أن حريقاً شبّ في الطبقة السفلية منه..

ركض أبو سليم؛ صاحب البناية مسرعاً والجيران منهم من وقف على باب بيته، وآخرون ينظرون من النوافذ يسألون عما يجري في البناية.

أسرعنا خلف أبو سليم باتجاه الغرفة، وصاح فيهم الرجل: (شو في يا عمي؟ صرعتونا).. وبدأ السباب والشتائم.

كانت الغرفة أشبه بساحة حرب أو مشهد تلفزيوني من فيلم هندي. "دانكا" الهندية، مرميّة على الأرض، والدماء تغطي وجهها، ورفيقاتها من حولها بين باكية وشاكية ومرعوبة، وكانت إحداهنّ تنوح وتشدّ بشعرها، والجميع يتكلم بسرعة وضجيج، من غير أن نعرف عن ماذا يتكلمن، سوى الصراخ وكلمات الغضب من (لورينا الشريرة)، التي كانت تمسك بمفتاح إسطوانة الغاز، وتريد أن تشعل الغرفة بمن فيها.

تدخّل أبو سليم لإسكاتهنّ وفضّ الخلاف بينهنّ، ولمعرفة سبب هذا الضجيج في هذه الساعة من الليل، والذي كان بسبب تخلّف (دانكا) للشهر الخامس على التوالي عن دفع ما يترتب عليها من إيجار الغرفة البالغ 30$، مع رفيقتها السبعة المشتركات معها في السكن.

(دانكا) –كما يقول أبو سليم- تعمل خادمة في أحد المنازل في بيروت، وما تجنيه لا يكفي لسدّ حاجتها ومساعدة أهلها في موطنها الأصلي. وهو ما دفعها لأن تتقاسم المعيشة مع فتيات بلدها للسكن في مخيم مار الياس للاجئين الفلسطينيين في بيروت. وهو المخيم الذي بات أكثر من يشكل الأجانب المتحدرون من (الهند، وسريلانكا، وأثيوبيا، والفليبين) حوالى 40% من سكانه.

ولأن أجرة السكن في هذا المخيم على ارتفاعها تبقى أقلّ من الأجرة في أماكن أخرى في بيروت، وبالرغم من مساحة المخيم الصغيرة، فإن الكثافة المرتفعة دفعت بعض الأهالي إلى البناء العشوائي العامودي، غرفة فوق غرفة، ليصل البناء إلى ستّة أو سبعة طوابق، وكلها متلاصقة ببعضها، للاستفادة من تأجير الغرف بسبب الإقبال الشديد على السكن في المخيم.

لقد بات المخيم قبلة للباحثين عن الأماكن الأكثر أمناً وأماناً من غيره، وللساعين لإقامة مريحة نسبياً لهذه الجنسيات الوافدة. ويبقى المخيم أفضل من أمكنة أخرى رغم ضيق أبنيته وأزقته التي لا تتسع لمرور أكثر من شخص واحد.

الواقع الجديد في المخيم يبدو واضحاً عندما تسير في الأزقة.. تشعر بضيقها وترى الوجوه الغريبة التي لم تألفها من قبل، وتقتحم مسامعك كلمات لم تسمعها من قبل، لا تفم منها شيئاً، كما حصل معي تلك الليلة ومشاهدتي ل (دانكا واخواتها) اللواتي لم تنتهِ الحرب بينهن بالكلام، بل استُكملت الصحون والطناجر التي كانت تتطاير من فوق رؤوسنا، إلى أن اتصل أبو سليم بإحدى قريباتها التي جاءت واصطحبتها مع أغراضها إلى مكان آخر في المخيم نفسه، وسط الصراخ والعويل والشتائم التي لم أفهمها.. حينها حدثت نفسي: "لم أعرف لغتهم وهكذا، فكيف لو عرفت؟!..".