
بيروت – خاص، لاجئ نت|| 19 شباط 2026
في حراكٍ سياسي لافت يعكس استشعاراً بـ "خطر وجودي"، وضعت
الدولة اللبنانية ملف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) على مشرحة
البحث البرلماني والحكومي. فخلف ستار "العجز المالي"، تلوح في الأفق
ملامح مخطط دولي يهدف إلى تصفية الوكالة وتوريث أعبائها للدولة المضيفة، بما يحمله
ذلك من شطبٍ صريح لحق العودة وتفخيخ للاستقرار اللبناني المنهك.
تحرك برلماني لمواجهة "التصفية الصامتة"
فتحت لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين في البرلمان اللبناني، برئاسة
النائب فادي علامة، ملف تقليص خدمات الأونروا في سلسلة اجتماعات استثنائية بدأت
منذ أسبوع. وبلغ الحراك ذروته باجتماعٍ موسع حضره سفير السلطة الفلسطينية في لبنان
محمد الأسعد، ورئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني السفير رامز دمشقية، ومديرة
عمليات الوكالة دوروثي كلاوس.
هذا التحرك، الذي وصفه متابعون بأنه "خطوة جيدة لكنها غير
كافية"، يهدف إلى بلورة توصيات عاجلة لرفعها إلى رئيس الحكومة نواف سلام.
وتؤكد القراءة السياسية للمشهد أن المعركة تتجاوز الجانب التقني؛ فهي "معركة
يقظة" سياسية وبرلمانية لمواجهة التخلي الدولي الممنهج عن الالتزامات
التاريخية تجاه اللاجئين.
لغة الأرقام.. نزيف ديموغرافي ومالي "مؤلم"
كشفت مداولات اللجنة عن إحصاءات صادمة تعيد رسم خارطة اللجوء في
لبنان، وتُظهر حجم الفراغ الذي قد يتركه غياب الوكالة:
التراجع الديموغرافي: أظهرت البيانات وجود 230 ألف لاجئ فقط مقيمين
فعلياً في لبنان، نزولاً من نحو نصف مليون، نتيجة الهجرة المستمرة والوفيات، وهو
ما يعكس يأساً يدفع باللاجئين نحو قوارب الموت أو الهجرة القسرية.
الميزانية المتهالكة: تبلغ موازنة الوكالة في لبنان 110 ملايين
دولار، تعرضت لتقليص مباشر بنسبة 20%.
حصة اللاجئ: نصيب اللاجئ السنوي من الخدمات لا يتجاوز 600 دولار (أي
نحو 50 دولاراً شهرياً)، وهو مبلغ يعجز عن تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية
في ظل انهيار العملة المحلية والتضخم الحاد.
ما وراء "العجز المالي".. أبعاد سياسية خطيرة
يُحذر مراقبون من أن تقليص الخدمات، الذي شمل تخفيض الرواتب
والدوامات بنسبة 20%، ليس مجرد إجراء تقشفي عابر، بل هو توجه سياسي تقوده قوى
دولية لخدمة أجندات إسرائيلية وأمريكية. الهدف النهائي هو "نقل
المسؤولية" من منظمة أمريكية-دولية إلى الحكومة اللبنانية، ما يعني عملياً
إسقاط صفة "اللاجئ" وتصفية قضية "حق العودة" نهائياً.
إن تحذيرات المفوض العام للأونروا "فيليب لازاريني" حول
احتمالية زيادة هذه الإجراءات مستقبلاً، تُنذر بالوصول إلى "مرحلة
الصفر" (صفر رواتب وصفر موازنات وصفر عمل)، وهو ما يضع مئات الآلاف من
المستفيدين من 61 مدرسة و26 مركزاً طبياً أمام حائط مسدود.
الفتيل الأمني ومسؤولية الدولة المضيفة
التحذير الأبرز الذي خرج من أروقة البرلمان اللبناني تمثل في
"البعد الأمني"؛ إذ إن أي خفض إضافي في التمويل لن يقتصر أثره على
الجوانب الإنسانية، بل سيمتد ليشكل خطراً مباشراً على الاستقرار داخل المخيمات
وخارجها، مما ينعكس سلباً على الأمن القومي اللبناني.
ويرى خبراء أن دفع اللاجئين نحو حافة الانفجار الاجتماعي سيهدد
العلاقة الفلسطينية اللبنانية. لذا، برزت دعوات ملحة للجنة الخارجية والمغتربين
بضرورة الانفتاح على الفصائل الفلسطينية، والمؤسسات الأهلية، والباحثين المتخصصين
لبلورة استراتيجية وطنية موحدة تمنع تمرير هذا المخطط.
واصدرت (لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينين في لبنان) بيانا
اليوم توجهت فيه إلى لجنة الخارجية والمغتربين بضرورة توسيع دائرة مشاوراتها لتشمل
الفصائل الفلسطينية والمنظمات الأهلية والخبراء الفلسطينيين.
خلاصة القول؛ يجد لبنان نفسه أمام مواجهة مصيرية لحماية أمنه وحقوق
ضيوفه. فإما أن تنجح "اليقظة" الرسمية في كبح جماح هذا التوجه الدولي،
أو أن لبنان والمخيمات باتا قاب قوسين أو أدنى من انفجار لن تقف شظاياه عند حدود
الملفات المالية.