
الأربعاء، 15 نيسان، 2026
يتجه المشهد في جنوب لبنان نحو مسار تصعيدي متسارع، في ظل تداخل
العمليات العسكرية الإسرائيلية مع تحركات سياسية موازية، ما يثير تساؤلات بشأن
محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء التفاوض، على غرار النموذج الذي طُبق في
قطاع غزة.
فميدانياً، يواصل الجيش الإسرائيلي شن غارات جوية على بلدات جنوبية،
بالتزامن مع توسيع انتشاره على طول الشريط الحدودي، عبر إنشاء مواقع عسكرية
إضافية. في المقابل، يكثف حزب الله هجماته الصاروخية وعملياته بالطائرات المسيّرة
باتجاه مستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، إلى جانب اشتباكات مباشرة في عدد من
المحاور، لا سيما في محيط بلدة بيت جبيل.
ضربات متزامنة وانتشار أوسع
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارات إسرائيلية استهدفت مركبتين
في بلدتي السعديات والجية الساحليتين، على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب بيروت، في
ضربتين طاولتا الطريق الساحلي السريع الرابط بين العاصمة والجنوب، في مناطق تُعد
خارج نطاق النفوذ التقليدي لحزب الله.
وامتدت الغارات إلى بلدات عدة، بينها البرغلية في قضاء صور، وبرج
قلاوية والغندورية وحانين، إضافة إلى المحمودية وزبقين وياطر، في سلسلة ضربات
متزامنة شملت مناطق متفرقة.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت حصيلة القتلى إلى 2089 منذ
استئناف العمليات العسكرية في الثاني من مارس/آذار الماضي.
مؤشرات على "شريط أمني”
سياسياً وعسكرياً، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى تبني نمط
عملياتي في جنوب لبنان يُشبه ما اعتمد في غزة، من حيث هدم المنازل القريبة من
الحدود، وإخلاء مناطق، وتهيئة الأرض لإقامة مواقع عسكرية ثابتة.
ونقلت صحيفة هآرتس عن مصادر عسكرية أن الجيش يعمل على مضاعفة وجوده
الميداني في الجنوب اللبناني، في إطار خطة قد تمهد لفرض "شريط أمني” بحكم الأمر
الواقع، رغم النفي الرسمي المتكرر لوجود قرار بإقامة منطقة أمنية دائمة.
وبحسب إفادات جنود للصحيفة، تستخدم قوات الهندسة جرافات لهدم مبانٍ
وقرى قريبة من الحدود، بهدف إنشاء منطقة عازلة. وأشارت التقارير إلى أن بعض
الوحدات التي شاركت سابقاً في عمليات الهدم داخل غزة نُقلت إلى الجبهة اللبنانية،
مع تحديد أهداف يومية لعدد المباني التي يتم تدميرها.
في المقابل، يقر ضباط إسرائيليون بوجود فروقات ميدانية بين الجبهتين،
إذ تمنح الطبيعة الجغرافية الوعرة لجنوب لبنان، بتلاله وقراه الكثيفة، أفضلية عملياتية
لحزب الله مقارنة بطبيعة غزة المنبسطة نسبياً.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى تثبيت وجود عسكري
طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية، بما قد يفاقم دوافع التصعيد ويزيد من وتيرة
استهداف المستوطنات الشمالية.
مسار تفاوضي موازٍ
بالتوازي مع التصعيد، أعلنت الولايات المتحدة عن اتفاق لبنان
وإسرائيل على إطلاق مفاوضات مباشرة، عقب محادثات ثلاثية عُقدت في واشنطن، وُصفت
بأنها الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ عام 1993.
ووفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، شارك في الاجتماع وزير
الخارجية ماركو روبيو، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير إسرائيل في
واشنطن يحيئيل لايتر، وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، حيث جرى بحث
"الخطوات المطلوبة لإطلاق مفاوضات مباشرة بين الدولتين”.
وأشار البيان إلى ترحيب واشنطن بما وصفه بـ”خطط الحكومة اللبنانية لاستعادة
احتكار السلاح”، معرباً عن أمل في أن تتجاوز المحادثات إطار الترتيبات السابقة،
وأن تفتح الباب أمام اتفاق أوسع يشمل ترتيبات أمنية وسياسية، إضافة إلى إعادة
إعمار لبنان.
غير أن مصادر إسرائيلية نقلت عنها وسائل إعلام محلية رأت في هذا
المسار محاولة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب الوقت ومواصلة العمليات
العسكرية، مع إظهار انفتاح سياسي أمام الإدارة الأميركية.
بين الميدان والسياسة
في ظل هذا التوازي بين التصعيد العسكري والتحرك الدبلوماسي، يبدو أن
الوقائع على الأرض تتقدم بوتيرة أسرع من المسار التفاوضي، ما يعزز الانطباع بأن
نموذج غزة لا يُستحضر فقط كتكتيك ميداني، بل كإطار لإدارة الصراع سياسياً، عبر
تثبيت معادلات جديدة تحت سقف المفاوضات.
وبينما تتواصل الغارات والاشتباكات، تبقى مآلات هذا المسار مفتوحة
على احتمالات متعددة، في منطقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة
الإقليمية والدولية.