"السفير"
تستطلع آراء قياديين في الفصائل الفلسطينية.. ماذا لو أن أبا عمار
حيٌّ اليوم؟
الأربعاء، 12
تشرين الثاني، 2014
في الوقت الذي
يُحيي الفلسطينيون الذكرى العاشرة لاغتيال الرئيس ياسر عرفات، تعصفُ الأزمات
الداخليّة على أوجها بالقضية الفلسطينية، بدءاً بالانقسام المرير، مروراً بثلاث
حروب شنّت على قطاع غزّة خلال ست سنوات، وليس انتهاءً بعمليات سرقة الأراضي،
وتهويد زهرة المدائن، ومسجدها المُبارك، وذلك في ظل مناخات سياسية أرهقت المُحيط
العربي، وأزاغت البوصلة عن القضيّة المركزيّة للأمة جمعاء.
وبرغم مرور عشر
سنوات على اغتيال الرمز عرفات، وبقاء وفاته لُغزاً يحيّر الجميع ـ مع أن أصابع
الاتهام تُشير إلى الاحتلال الإسرائيلي ـ إلا أن أبا عمّار ما زال حاضراً في قلوب
الفلسطينيين، لاسيما أهالي قطاع غزة، الذين عرفوا قائدهم عن قرب، بل باتوا أكثر
حاجةً إلى قائد يسير بهم على الطريق الذي سلكه مُفجّر الثورة الفلسطينية.
ويقول عضو
المجلس الثوري لحركة "فتح" فهمي الزعارير لـ"السفير" إن ما
يُميّز الراحل عرفات أنه كان يمتلك كل الخيوط في الساحة الفلسطينيّة، باعتباره
القائد المؤسس الذي ظل يقود الثورة الفلسطينيّة حتى رحيله، وبالتالي فإنّ الظروف
الذاتيّة كانت مختلفة مقارنة بما هو الوضع حالياً، فضلاً عن أن الظروف والمناخات
السياسيّة الخارجيّة اختلفت أيضاً، نظراً إلى وجود عرفات وثقله في الساحات
الخارجيّة، وصولاً إلى الداخل الفلسطيني عبر تأسيس السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة،
فكان عرفات بطريقة أو بأخرى يُحافظ على بقاء الحالة الوطنيّة مُتماسكة، ويمنع بشكل
أو بآخر التدخّلات الخارجيّة.
يقرأ الزعارير
الظرف الفلسطيني الراهن، فيقول إن "الظرف الحالي الذي تعيشه القضيّة
الفلسطينيّة نتجت فيه تغيّرات ذاتيّة داخليّة، وخارجيّة أيضاً، التغيّر الداخلي
الأوّل جاء عقب انتخابات العام 2006، والتي فتحت آفاقاً لحركة حماس لصياغة بعض
التحالفات الخارجية التي أثّرت سلباً على حالة النظام السياسي الفلسطيني الذي قام
على الدوام على عدم التدخّل في الشؤون العربيّة، وعدم السماح بالتدخّل أيضاً في
الشأن الفلسطيني الداخلي"، معتبراً أن الفلسطينيين الآن أقرب إلى التجاذبات
الإقليميّة من استقلاليّة القرار الوطني الفلسطيني.
ويُرجّح
القيادي الفتحاوي أن عرفات لو كان حيّاً بين الفلسطينيين لما وقع الانقسام الداخلي
بين حركتي "فتح" و"حماس" منتصف صيف العام 2007، بيد أنه قال
"لو افترضنا جدلاً وجود أبو عمار في المرحلة الحاليّة من دون المرور بمرحلة
الانقسام، أعتقد أن المعالجات ستكون ذاتها، لأنه لا يوجد حلول سحريّة لمعالجة
الوضع القائم حالياً، باعتبار أن نهج حركة فتح الذي أسّسه وكرّس حياته له أبو
عمّار يتمثّل أساساً في تعزيز الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، وهذا ما تحاول اللجنة
المركزيّة لحركة فتح تجسيده بقيادة الرئيس محمود عباس".
ويضيف الزعارير
أن "المشكلة الآن ليست في قيادة السلطة أو حركة فتح، المشكلة هي في وجود طرف
فلسطيني آخر يسيطر بشكل أو بآخر على جزء من الأراضي الفلسطينيّة، ويبني تحالفات
هنا وهناك، ويرفض التعاون والتعاطي مع القضايا الفلسطينيّة الداخليّة على قاعدة
فلسطينيّة بحتة".
أما عضو المجلس
الثوري لحركة "فتح" زياد أبو عين، فيرى في حديث إلى "السفير"،
أنه لن يكون هناك فرق كبير إن كان عرفات موجوداً أم لا في الساحة الفلسطينيّة
حاليّاً، عازياً ذلك إلى تكاثر الأزمات والمشاكل الداخليّة على القيادة
الفلسطينيّة.
ويوضح أبو عين
أن القيادة الفلسطينيّة، بقيادة عباس، قررت الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الحصول
على قرار يعتبر الأراضي التي احْتُلت في العام 1967 هي أراضي الدولة الفلسطينية،
وكذلك لتحديد موعد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
في هذا السياق،
يُؤكّد القيادي في "حركة الجهاد الإسلامي" في فلسطين الشيخ نافذ عزّام،
أن الشعب الفلسطيني يفتقد الكثير من قادته في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها
القضيّة الفلسطينيّة، لافتاً إلى أن "الاقتداء بالقادة الكبار يؤثر في واقع
شعوبهم، لاسيّما أن الشعب الفلسطيني قدّم الكثير من قادته الكبار واستمر في
نضاله".
ويشير عزّام في
حديث إلى "السفير" إلى أن القضية الفلسطينيّة تمر بمرحلة حرجة جداً
الآن، لاعتبارات كثيرة، أهمها تلك التي تتعلّق بالوضع الداخلي الفلسطيني،
والإقليمي، مؤكداً أن على الفلسطينيّين أن يقوموا بخطوات أكثر واقعيّةً وفعاليّة
في مثل هذه الأوقات الحرجة.
وفي معرض رده
على سؤال طرحته "السفير" يتعلّق بطبيعة إدارة الراحل ياسر عرفات للأزمات
الفلسطينيّة الراهنة لو كان حيّاً، يجيب عزّام أنه "من الصعب التنبؤ بمثل هذه
الأمور، أشياء وسياسات كثيرة تغيّرت في حياتنا وواقعنا، لكن من المؤكد أن أمثال
أبو عمار، وفتحي الشقاقي، وأحمد ياسين، كانت لهم بصمة واضحة في تاريخ الشعب
الفلسطيني، وكانوا قادرين على التأثير في الأحداث، وقادرين أيضاً على تغيير
مجراها، لكن من الصعب افتراض واقع في ظل التعقيدات التي نعيشها اليوم".
ويشدّد على أن
اتفاق "أوسلو" أضرّ كثيراً بالقضية الفلسطينية، كما أضرّ بالعلاقات
الداخليّة بين الأشقاء الفلسطينيين، مضيفاً أنه "من المؤكد أنه لو لم يتم
توقيع اتفاق أوسلو، لكانت الأمور أفضل الآن".
يتفق أبرز
قياديي حركة "حماس" الدكتور محمود الزهّار، مع الشيخ نافذ عزّام في
سلبيّة اتفاق "أوسلو" على القضيّة الفلسطينيّة، والشعب الفلسطيني أجمع،
معتبراً أن أوسلو أضرّ بالقضية الوطنيّة الفلسطينيّة عندما قال إن فلسطين، بدلاً
ممّا كان تحرير فلسطين، كل فلسطين، أصبحت الآن دولة على حدود العام 1967.
ويضيف الزهّار
في حديث إلى "السفير" أن "برنامج حركة فتح الذي كان يتحدّث عن
التحرير وتقرير المصير، والكفاح المسلّح كوسيلة للتحرير كله انتهى، وأصبح الآن
الكلام عن الرواتب والمناصب. أضف إلى ذلك أنه شقّ الشارع الفلسطيني، حيث كنّا في
السابق نتحدّث عن تحرير كل فلسطين، وأصبحنا الآن جزءاً يتحدّث عن تحرير فلسطين
بالكامل، وتقود هذا المنهج حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وجزءاً آخر - وهو حركة
فتح - يتحدث عن دولة على حدود العام 1967، وبالتالي وحدة الموقف والوسيلة اختلفتا
بالكامل".
ويعتبر الزهّار
أن واقع الراحل ياسر عرفات هو الذي أسّس للوضع الفلسطيني الراهن، قائلاً إن
"أبو عمار هو الذي جاء بعد اتفاق تنازل عن 80 في المئة من الأرض الفلسطينيّة،
وهو الذي أسس السلطة وهذا امتدادها، وهو الذي أقرّ التعاون الأمني مع العدو
الإسرائيلي، وهو الذي قضى على المقاومة، بالتالي لا أعتقد أن القضية منفصلة، لكن
هو الذي أسس لهذه الحالة، ونحن فيها، هذا الكلام ليس فيه إساءة لأحد، وليس فيه مدح
لأحد، ولكنه تشخيص للواقع".
وعمّا إذا كانت
الفصائل الفلسطينيّة يُمكن أن توافق على دولة فلسطينيّة على حدود العام 1967، لفت
الزهار إلى أن الفصائل، ومنها "حماس"، يمكن أن توافق على تحرير فلسطين
على حدود الـ67 كمرحلة أوليّة من دون الاعتراف بإسرائيل، "بمعنى أنه مثلما تم
تحرير غزّة من الاحتلال، تصبح الضفة والقدس والقطاع أراضي محررة ضمن معركة التحرير
الكاملة، من دون التنازل عن برنامج التحرير بالكامل".
المصدر: السفير،
بيروت