بيروت تحتضن غزة: رفع الحصار ومحاكمة "إسرائيل"

الخميس، 31 تموز، 2014
لم تعرف غزة الهدنة أمس الأول. كانت
منهمكة بانتشال شهدائها من تحت الأنقاض. أكثر من مئة شهيد سحبوا قبل انسدال نهار
الهدنة. تخطى العدد الإجمالي للشهداء الألف شهيد. في هذا الوقت تماماً، كان مجلس
النواب اللبناني يلملم أشلاءه ليخرج بإدانة للعدوان المتمادي على أطفال فلسطين
المترافق مع صمت دولي أشد فظاعة من الجريمة الإسرائيلية.
ولأن الشرق ولّاد أزمات بالفطرة،
ولأن بلدانه وجدت في قلب المأساة المستمرة، انقسم الألم بين غزة والموصل. هناك
استفاق الناس ليجدوا أنفسهم في العراء. صارت هوياتهم الموغلة في التاريخ مجرد أحرف
تكتب على البيوت، فتكون كافية لطرد أهلها أو قتلهم «إذا لم يستسلموا لإرادة الله»،
كما يهدّد من يدّعي تمثيله.
ليست الأزمات اللبنانية أقل إيلاماً،
ولكن لبنان لم يعتَدْ فصل نفسه عن قضايا المنطقة. اللبنانيون تواقون في الغالب
للانصهار في قضايا يرونها محقة، بعدما دبّ اليأس من قدرتهم على تأثير على مجريات
الأحداث في بلدهم.
معادلة «اليد والسوار» التي تناقلها
البعض في المجلس النيابي للدلالة على أنه كان الأولى بالمجلس أن يتضامن مع يده
(نفسه) في ظل الفراغ الرئاسي، قبل أن يتضامن مع السوار (غزة) لا تستوي في الظروف
الحالية. ألف شهيد يحتاجون لأكثر من وقفة تضامنية، أما ملء الفراغ فلا يحتاج إلا
لقرار ما يزال غير متوفر. في الحالة الأولى ثمة إحساس بالعجز يتملك الناس، وفي
الحالة الثانية ثمة مصالح سياسية تدفع باتجاه الأسوأ.
على الأقل، نجح المجلس في الاجتماع،
أمام أعين ممثلي الفصائل الفلسطينية، معلناً أن فلسطين ستبقى البوصلة. لكن
اللبنانيين، لم ينجحوا، حتى الساعة، في الاجتماع في تظاهرة حقيقية دعماً لصمود أهل
غزة أو لرفض الهمجية الداعشية أو حتى لرفض الفراغ في لبنان. مفعول الخدر ما يزال
يسري في العروق اللبنانية التي لا تضخ الدماء إلا باتجاه اليدين.. لتصفق.
جلسة التضامن مع غزة والموصل ليست
بديلاً من جلسة انتخاب الرئيس، كما أنها ليست بديلاً لجلسة تشريعية متعثرة. هذه لا
تلغي تلك.. وإلى أن يحنّ اللبنانيون على بعضهم لا ضير في أن يوجهوا تحية، من خلال
«ممثليهم»، لطفل بطل يصارع للخروج من تحت الأنقاض.
التأم المجلس النيابي بأكثر من ثلثي
أعضائه. تحسّر كثر. تمنّوا لو أن جلسة انتخاب الرئيس تشهد هذا العدد. لكن الوقت لم
يكن وقت مقارنات. ولأن لكل مقام مقالة، حضرت غزة في البرلمان وكذلك حضرت الموصل.
ومع ذلك، لم تغب القضايا اللبنانية تماماً، ولاسيما مسألة انتخاب رئيس الجمهورية،
فدعا رئيس الحكومة تمام سلام إلى «المسارعة إلى انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية،
الرئيس المسيحي الوحيد في عالمنا العربي».
بعيداً عن كل الملاحظات والاعتراضات،
نجح لبنان في تأكيد دوره الحاضن للقضايا المحقة. وكما سبق أن توحدت الشاشات
اللبنانية دعماً لغزة، توحدت الكتل النيابية لدعمها. في الحالتين، يسجل للبنان أنه
البلد الوحيد من بين كل الدول العربية والإسلامية الذي عضّ على جراحه الداخلية
ووضع فلسطين في سلّم أولوياته. قد يرى البعض أن هذه الخطوة أو تلك لا تخرج عن
دائرة الاستعراض، لكن لا رأي هنا أهم من رأي أصحاب الشأن الذين يُقتلون يومياً في
غزة. كان تأثير النشرة الموحّدة هناك إيجابياً، حتى دعت «حماس» إلى تعميم التجربة
على الأقطار العربية كلها. فاتها أو تغاضت عن أن بعض الشاشات «الشقيقة» ما تزال
تئن تحت تعاميم رسمية تمنع استعمال عبارة «شهيد». وكذلك، كان تأثير الخطوة
النيابية إيجابياً لدى المقاومة، لكن هذه المرّة هناك شك كبير في أن يطلب أيّ من
فصائلها تعميم التجربة اللبنانية. هي تعرف جيداً أن معظم البرلمانات تضع يداً في
يد إسرائيل وتحمل في الأخرى سكيناً طرفه مغروز في ظهر «القتلى» الفلسطينيين.
منذ بداية الجلسة، تعاقب رؤساء
وممثلو الكتل النيابية على الكلام، فتحدث على التوالي العماد ميشال عون، الرئيس
فؤاد السنيورة، النائب ميشال موسى عن «كتلة التنمية والتحرير»، النائب مروان فارس
عن «كتلة القومي»، النائب علي فياض عن «كتلة الوفاء للمقاومة»، النائب غازي
العريضي عن «اللقاء الديمواقراطي»، النائب جورج عدوان عن «كتلة القوات»، النائب
دوري شمعون عن مستقلي «14 آذار»، والنائب عماد الحوت عن «الجماعة الإسلامية»، وفي
الختام تحدّث الرئيس سلام (النص الكامل للكلمات على الموقع الإلكتروني: www.assafir.com).
مجلس عربي لإعمار غزة
الختام كان مع البيان الذي ألقاه
الرئيس نبيه بري، باسم المجلس النيابي وأعلن فيه:
أولاً ـ تضامنه الكامل مع الشعب
الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة، إزاء العدوان الإرهابي الدموي الإسرائيلي الرسمي
الذي يقع بصورة خاصة على الأطفال والنساء والشيوخ ويمثل اعتداء صارخاً على حق
الحياة مما أسفر عن آلاف الشهداء والجرحى عدا الدمار الهائل الذي أصاب التجمّعات
السكنية والمستشفيات والمؤسسات التربوية التي لجأ إليها السكان.
ثانياً ـ يتوجه بالتحية الى شهداء
الشعب الفلسطيني وجرحاه والى مقاومته الباسلة التي تتصدّى لآلة الحرب وكرة النار
الإسرائيلية المتنوّعة الجوية والبرية والبحرية.
ثالثاً ـ يدعو إلى رفع الحصار الظالم
والمستمر المفروض على قطاع غزة منذ سنوات والذي أدى ولا زال إلى النقص الحاد في
المواد الإغاثية والطبية وهدد الحياة الطبيعية وقوى العمل والإنتاج وادى الى شلل
قطاعات الكهرباء ومياه الشفة.
رابعاً ـ يطالب بالإفراج عن
المعتقلين الفلسطينيين، خصوصاً النواب من أعضاء المجلسين التشريعي والوطني وفي
طليعتهما رئيس المجلس التشريعي عزيز دويك والمناضل مروان البرغوثي، وكذلك الاسرى
والمعتقلين كافة وبالتحديد اولئك الذي جرى اعتقالهم في اعقاب حملة التعدي الوحشي
على المناطق الفلسطينية والقدس، خصوصاً بعد جريمة اغتيال وإحراق الشاب الفلسطيني
محمد ابو خضير.
خامساً ـ يدعو الى اتخاذ الإجراءات
الآيلة الى محاكمة المسؤولين الاسرائيليين كمجرمي حرب على جرائم الحرب الاسرائيلية
على غزة والاعتداء على حقوق الانسان في المناطق الفلسطينية كافة.
سادساً ـ يدعو الى انشاء مجلس عربي
أعلى يُعنى بشؤون إعمار قطاع غزة والمناطق الفلسطينية كافة التي تعرضت وتتعرض
للتدمير والتجريف الاسرائيلي.
سابعاً ـ إزاء جرائم الإرهاب
التكفيري في الموصل وجوارها ضد المسيحيين، فإن مجلس النواب اللبناني يدين الجرائم
الارهابية المتمثلة بعمليات الفرز الديموغرافي والتهجير القسري للمواطنين الاصليين
في الموصل وجوارها من المسيحيين والاعتداء على دور العبادة والممتلكات العامة
والخاصة. ويدعو الى تحرك دولي فعّال لوقف هذه الجريمة الإرهابية المنظمة والتي
تمادى مرتكبوها بعد السكوت عن جرائمهم في غير مكان من المناطق الساخنة في عدد من
الأقطار العربية، ويؤكد على ضرورة إعادة المهجرين الى مناطقهم وحمايتهم. ويدعو الى
محاكمة عاجلة لمجرمي الحرب التكفيريين المسؤولين عن هذه الجريمة الكبرى التي تشوّه
المشهد التاريخي للعيش المشترك في الشرق. ويدعو الى تضافر جهود المرجعيات الدينية
في العالم من إسلامية ومسيحية في التصدي لعمليات تشويه الدين واستغلاله لأغراض
السيطرة والحكم وتخيير الناس بين الجزية او الرضوخ لحكم الغاب. ويدعو مجلس الامن
الدولي ومنظمة المؤتمر الاسلامي وجامعة الدول العربية والمنظمات الدولية
والاسلامية والعربية والجهوية كافة الى التحرك الفوري من اجل لجم تمادي هذه
المجموعات في جرائمها المتنوعة، خصوصاً جريمة التهجير. ويدين كل محاولة للتعدي على
حقوق الانسان خاصة في الحياة والسكن للمواطنين في أي مكان يختارونه في أوطانهم».
وبعد الجلسة، توجّه السفير الفلسطيني
أشرف دبور «بالشكر للمجلس النيابي رئاسة واعضاء والى الحكومة اللبنانية». وتحدث
للصحافيين محاطاً بممثلي الفصائل الفلسطينية الذي حضروا الجلسة، وقال: «كما نحن
موحّدون في ارض الرباط فلسطين مجتمعين كلمة واحدة، نحن هنا أيضاً في لبنان موحدون.
باسم إخواني في الفصائل الفلسطينية باسم الشعب الفلسطيني، نتقدم بالتحية والتقدير
إلى دولة الرئيس نبيه بري والى الأخوة رؤساء الكتل النيابية والى النواب جميعاً
على عقد هذه الجلسة».
أضاف: «عوّدنا لبنان دائماً على
الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، ها هو اليوم يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني
ويصدر عن المجلس النيابي مقررات رسمية تصل إلى العالم بأسره».
المصدر: إيلي الفرزلي - السفير