عشرة أعوام مضت على رحيل أبو عمار
مسموما والقاتل لا يزال حرا طليقا
الأربعاء، 12 تشرين الثاني،
2014
صادفت يوم أمس الذكرى العاشرة لرحيل
الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات (أبو عمار) صاحب الكوفية المعروفة بتجسيدها
لخارطة فلسطين، في عملية أثبتت التحاليل الطبية أن سببها هو دس السم للرجل، وسط
شكوك يؤكدها الفلسطينيون أن إسرائيل العدو الأول لعرفات هي من تقف خلفها، بعد أن
وقف بوجهها داعما للانتفاضة، ورافضا لتوقيع اتفاق سلام نهائي مذل للفلسطينيين.
وأعلن عن وفاة الزعيم عرفات، المحبوب
لدى الفلسطينيين، بعد مرض مفاجئ، تطور بشكل سريع ليصيب كل أنحاء جسده، في 11 تشرين
الثاني/ نوفمبر عام 2004، في مستشفى بيرسي العسكري في العاصمة الفرنسية باريس، بعد
أن نقل إليه للعلاج من مقر إقامته بالمقاطعة بمدينة رام الله، التي كان يحاصر بها
من قبل قوات الاحتلال.
ولم تكشف بعد عشر سنوات الجهة التي
تقف خلف تسميم الرئيس الراحل، غير أن كل الدلائل والاتهامات توجه لإسرائيل، صاحبة
المصلحة الأولى في التخلص منه، خاصة وأن تحاليل مختبر سويسري مختص، أثبتت أن الرجل
مات متسمما بمادة مشعة هي «البولونيوم».وقضى الزعيم حياته في الصراع مع دولة
الاحتلال إسرائيل، التي كان قد وقع معها قبل عشر سنوات من موته اتفاق «أوسلو»
للسلام، الذي أنهى حالة الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأسس لمرحلة السلام،
وتشكيل سلطة فلسطينية وانسحاب إسرائيل من مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد ست سنوات من هذا الاتفاق
الشهير، أدرك عرفات أن المفاوضات التي شملت آلاف الجلسات بين المفاوضين
الفلسطينيين والإسرائيليين ، لم تثمر عن شيء، وأن إسرائيل لا تريد أن تقدم ما عليها
من استحقاقات لحل الملف السياسي، وإعطاء الفلسطينيين حقهم، فرفض في آخر مفاوضات
جادة في العام 2000، وسميت بمفاوضات»كامب ديفيد 2» التوقيع على اتفاق سلام مع
إسرائيل برعاية أمريكية، لانتقاصه من الحقوق الفلسطينية، خاصة بشأن ملف اللاجئين
والقدس والحدود.
عاد الرجل بعدها مكتشفا حجم خداع
الراعي الأمريكي، الذي شدد الخناق على الفلسطينيين للقبول بالخطة، ليدعم في وجه
ذلك انتفاضة الأقصى» التي انفجرت في وجه الاحتلال، رفضا لزيارة العدو الأول
لعرفات، زعيم حزب الليكود الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون، بعد زيارته للمسجد
الأقصى، معيدا حالة العداء بين الرجلين التي بدأت أولى حلقاتها في حرب بيروت عام
1982.
اتهمت إسرائيل عرفات بدعم العمليات
الفدائية والتفجيرية التي طالت مستوطنيها في الضفة وغزة ومواطنيها داخل الخط
الأخضر آنذاك، وتوفيره الأموال لتهريب السلاح للمقاومة، ففرضت عليه حصارا مشددا في
مقر المقاطعة برام الله، حرمته بموجبه من الخروج والتنقل بين المدن الفلسطينية،
وحرمته من الخروج في زيارات خارجية اشتهر فيها عرفات كثيرا.
وأنذرت إسرائيل عرفات بأن الخروج من
الضفة سيحمل تذكرة خروج بدون عودة، وفي إحدى المرات هددت بإبعاده، واقتحمت الدبابات
مقر المقاطعة ودمرته بشكل شبه كامل، فطال القصف الغرف الملاصقة لمبنى عرفات، وقتل
عدد من حراسه، وذلك في إطار ما سمي بـ «عملية السور الواقي، عام 2002، التي أعادت
اسرائيل بموجبها احتلال كل مناطق السلطة. ورغم ذلك لم يخضع لشروط إسرائيل، فخرج
بعد انتهاء العملية من بين أنقاض المقاطعة رافعا إشارة النصر بيديه.
مرارا أعلنت إسرائيل أنها تريد
التخلص منه، ليسقط الرجل بمرض غامض وخطير في مقر المقاطعة التي ظلت طول سنوات
الحصار مكانا لعمله ونومه، ولم تنجح فرق طبية قدمت من الأردن ومصر وتونس في علاجه،
وتقرر نقله للعلاج في مشفى بيرسي الفرنسي، وهناك وبعد رحلة علاج دامت لعدة أيام
أعلن عن وفاة الرجل، على أثر نزيف حاد، ولاحقا اثبتت التحاليل السويسرية أن سبب
وفاته التسمم.
أعيد عرفات من فرنسا إلى مصر حيث
أقيمت له جنازة رسمية بمشاركة الملوك والرؤساء العرب، بعدها نقل عبر طائرة مروحية
مصرية لتقام له جنازة شعبية شاركت فيها حشود كبيرة لم تشهد من قبل، ليدفن في ساحة
المقاطعة، ويوضع تحت جسده رمل أحضر من مدينة القدس.
عرفات سبق وأن نجا من العديد من
محاولات الاغتيال التي دبرتها إسرائيل، منها محاولات اغتيال بقصف مقر إقامته في
لبنان، ونجا فيما بعد من عملية اغتيال بقصف طائرات إسرائيلية منطقة إقامته في
تونس، التي وصلها بعد الخروج الشهير من بيروت في عام 1982.
عايش عرفات خلال حياته جميع مفاصل
النضال الفلسطيني، فقبل تأسيس حركة فتح في عام 1965، كان الرجل منخرطا في مواجهة
الاحتلال، وعايش فترة النكبة ومن بعدها نكسة العام 1967، وحارب إسرائيل في الكرامة
في الأردن، وعايش مرحلة حرب أكتوبر، ومن بعدها في لبنان التي انتهت بخروجه
والمقاومة من لبنان إلى تونس عام 1982، قبل أن يعود إلى غزة من تونس، ويؤسس السلطة
الفلسطينية. وشكلت عقب الوفاة لجنة تحقيق فلسطينية لمعرفة السبب ومن يقف خلف تدبير
الأمر إن كان حدث بدس السم، يرأسها اللواء توفيق الطيراوي،عضو اللجنة المركزية
لحركة فتح الآن، الذي كان وقتها يشغل منصب مدير المخابرات الفلسطينية.
ولم تصل هذه اللجنة التي تضم
قانونيين وأطباء إلى أي نتيجة رغم قيامها بالبحث والتحري والاستجواب للعديد من
الشخصيات، رغم أنها تؤكد أن الحادثة مدبرة، مستعينة بالتقرير السويسري، وهو ما
يعني أن الفاعل ما زال حرا طليقا.
ومرت ذكرى عرفات هذا العام في ظل تأجج الخلاف بين حركتي فتح وحماس، وألغي
الاحتفال الذي كان مجهز لإحياء ذكراه، بعد اعتذار أمن حماس عن توفير الحماية، بعد
سلسلة تفجيرات طالت منازل قادة فتح بغزة.
عرفات مثل ولا يزال رمزا
للفلسطينيين، وكثيرا ما يعرف الاجانب فلسطين من الرجل الشهير بارتداء الكوفية
الفلسطينية.
ولد عرفات في مدينة القدس في 4 آب/
أغسطس عام 1929، واسمه بالكامل محمد ياسر عبد الرؤوف داود سليمان عرفات القدوة
الحسيني، وتلقى تعليمه في القاهرة، وشارك بصفته ضابط احتياط في الجيش المصري في
التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956.
وانتخب رئيساً للجنة التنفيذية
لمنظمة التحرير الفلسطينية في شباط 1969، بعد أن شغل المنصب قبل ذلك أحمد الشقيري
ويحيى حمودة.
ألقى الراحل عام 1974 كلمة باسم
الشعب الفلسطيني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحينها قال جملته
الشهيرة «جئتكم حاملا البندقية بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن
الأخضر من يدي».
بعد إعلان استقلال فلسطين في الجزائر
في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، أطلق في 13 كانون الأول/ ديسمبر للعام ذاته في
الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة السلام الفلسطينية لتحقيق السلام العادل في
الشرق الأوسط، انتقلت الجمعية العامة وقتها إلى جنيف بسبب رفض الولايات المتحدة
منحه تأشيرة سفر إلى نيويورك، وأسست هذه المبادرة لقرار الإدارة الأمريكية برئاسة
رونالد ريغان في الـ16 من الشهر ذاته، والقاضي بالشروع في إجراء حوار مع منظمه
التحرير الفلسطينية في تونس اعتبارا من 30
آذار 1989.
بعد توقيع عرفات مع اسحق رابين عام
1993، اتفاق إعلان المبادئ «أوسلو»، انتقل في العام 1994 إلى المناطق الفلسطينية
«غزة وأريحا» ليؤسس السلطة الفلسطينية، وفي عام 1996 انتخب ياسر عرفات رئيسا
للسلطة الوطنية الفلسطينية في انتخابات عامة.
عشرة أعوام مضت على رحيل أبو عمار
ولا تزال مسيرة النضال الفلسطيني مستمرة، فالظروف الحالية تشابه كثيرا تلك الظروف
التي عاشها عرفات في آخر أيامه، فإسرائيل وقادة اليمين المتطرف منهمكون في التخطيط
لتهويد القدس وبناء المستوطنات في الضفة، وحصار غزة على حاله، والعملية السلمية
تشهد جمودا كبيرا، غير أن كل تلك الظروف دفعت بالفلسطينيين إلى الدخول في أسلوب
نضالي جديد، يقوم على أساس شن الهجمات لوقف الاعتداءات، وكان نتاجها عمليات الدهس
والطعن التي تنفذ في هذه الأوقات في القدس والضفة وداخل إسرائيل، ضد الجنود
والمستوطنين الإسرائيليين.
المصدر: أشرف الهور – القدس العربي