القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي
الأربعاء 7 كانون الثاني 2026

في الخليل.. ورد وابتسامات حزينة في وداع الشهداء

في الخليل.. ورد وابتسامات حزينة في وداع الشهداء

جانب من وداع الشهداء في مدينة الخليل

الخليل - المركز الفلسطيني للإعلام

استيقظت باكرا أو ربما لم تنم لحظة واحدة؛ فهي الآن تعرف مكان نجلها طارق الذي فارقها قبل عشرة أيام.. تعرف الآن أنه قريب منها ليس في مكان موحش معتم يستمع فيه للإهانات والكلمات الغريبة عن قاموسه، تعلم جيدا أنه الآن "مرتاح" رغم كل الوجع وكبر الألم.

نظرت إلى وجهها في المرآة الكبيرة في صدر المنزل وجدته شاحبا متعبا؛ غسلته بالماء مرات ومرات علها تزيح ثقل الحزن الذي ألم بها خلال الأسبوع الأخير، ثم ارتدت ملابسها وحجابها وجلست على مقعدها المعتاد تنتظر بزوغ الشمس في يوم غير عادي.

بألف يوم!

لم تكن تعلم والدة الشهيد طارق النتشة من الخليل، أنها ستكون في موقف صلب كهذا يوما ما؛ موقف ستودع فيه نجلها الذي لا تغفل أي لحظة من حياته أبدا، ولا تكاد تنسى أي تفصيل دقيق منذ أن أنجبته إلى أن بات شابا في التاسعة عشرة من عمره.

خرج الموكب وتداعت الأنفس وانفجرت الأعين بالعبرات، وكانت أم طارق تتقدم الجموع وتهتف وتكبّر، هي لم تطلق عبرة حزن واحدة بل استعاضت عنها بالابتسامة الحزينة التي تشرح الكثير الكثير.. هي لم تصرخ حزنا بل غضبا.

وبعد أن نظرت إلى نجلها ذي الوجه المشرق وودعته، وأودعته في حفظ الرحمن تحت التراب، عادت أدراجها ووقفت في زاوية بعيدا قليلا عن التشييع والجمهور والموكب، مسحت وجهها وارتشفت القليل من الماء وهي تحاول أن تخفي ما يحمله قلب الأم على صغير رحل، وقفت هناك فالتقطتها وسائل الإعلام وتجمعت حولها.

"نجلي شهيد وأنا فخورة به، أنا لم أكن في انتظار الجثمان لأن روحه خرجت إلى بارئها ولو لم يسلمونا إياه لما حزنّا كذلك، لأننا نؤمن بآيات الله في كتابه وأن الروح تخرج من الجسد الذي يفنى، نحن اليوم نشيع جسد طارق ونعلم أنه رحل قبل عشرة أيام إلى جوار ربه، الآن يزف إلى الحور العين فلم تأت الفرصة في الحياة لأزفه إلى عروسه".

تلك الكلمات رنت في مسامع كل من حولها؛ ما أعظمها من أم شهيد تدرك وتوقن أن قدر الله آت وأن بعده خيرا كثيرا ولو بعد حين ولو في حياة أخرى.

وداع قاس

وعلى الجانب الآخر لا يمكن أن تغيب صورة الوالد المكلوم الذي ذاق مرارة السجون فترة ما وابتعد فيها عن عائلته، ينظر إلى وجه ابنته يغطيها الكفن وعليه ورود ومصحف يروي كل الحكاية.

يتمتم المحرر جهاد ارشيد بآيات وأدعية داخل مسجد "الحسين بن علي"، وهو يقترب من جثمان ابنته دانية التي حملت في روحها الكثير من الطموحات والأحلام، يمر شريط مصور أمام عينيه وهو يستذكرها منذ الطفولة إلى أن أصبحت فتاة في السابعة عشرة لتوقف رصاصات المحتل الغادر سنوات حياتها.

يعانق ارشيد الجثمان ويبلله بعبرات خرجت رغما عنه في موقف مهيب كهذا، كانت الغصة لديه اثنتين؛ الأولى برحيل ابنته، والأخرى باعتقال جثمانها لأيام، واليوم يودع الجثمان وهو يعلم أن دانية سبقت جسدها إلى الجنان.

"كانت دانية تعني الكثير في المنزل، هي الخلوقة المؤدبة المتفوقة وهي نبض البيت، كانت تساعد أمها كثيرا ولم نشتك منها قط، هي روح المنزل والآن غابت عنه، وبغيابها تركت فراغا كبيرا لا أعلم إذا سيمتلئ يوما، أفتقدها منذ الآن.. وداعا يا ابنتي.. وداعا دانية".

بهذه الكلمات حدث من حوله وهو يحاول أن يخفي نظرات الحزن عن وجهه الخمسيني؛ ولكنه لم يستطع وكيف لأب أن يتعالى على جرح فقد فلذة كبده!

ليسوا أرقاما

مدينة الخليل، كانت على موعد السبت 10/31 على موعد بتسلم جثامين خمسة من أبنائها بعد أن احتجزها الاحتلال ما يزيد عن عشرة أيام.. جثامين حملت مع كل واحد منها حكاية تروي فصول قصص وشهادات على غطرسة احتلال يمعن في شعب أعزل.

فالشهيدة بيان اعسيلي ابنة 16 عاما، والتي كانت تتوجه في السابع عشر من أكتوبر الماضي إلى أحد الحواجز العسكرية في منطقة واد الغروس شرق الخليل، باغتتها رصاصات الجنود حين رفضت أن يتم تفتيشها إلا من مجندات؛ على الفور علت أصوات الرصاص لتقتلها في المكان.

أما الشهيدة دانية ارشيد ابنة 17 عاما والتي كانت متوجهة عبر أحد الحواجز العسكرية القريبة من الحرم الإبراهيمي الشريف في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي صرخ عليها الجنود "أعطنا السكين التي تحملين"؛ فخافت وارتعبت ونفت أن تكون تحمل سكينا وصرخت بدورها إلى أن أسكتتها الرصاصات الغادرة في رقبتها وصدرها.

في حين أن الشهيد طارق النتشة ابن 19 عاما والذي كان يسير في السابع عشر من أكتوبر الماضي بالقرب من شارع الشهداء في الخليل أصاب جنديا صهيونيا بجروح بسكينه الحر الذي ثأر للشهيدة اعسيلي وهي تنزف ملقاة على الأرض قبل أن يصاب بالرصاص ويستشهد على إثرها.

أما الشهيدان الفتيان بشار وحسام الجعبري أبناء 16 و17 عاما واللذان كانا ضحية المستوطنين والجنود بالقرب من تل الرميدة؛ كانا يسيران في الطريق قبل أن تطلق صوبهما الرصاصات من مستوطنين، وأكمل الجنود المهمة، والتهمة جاهزة محاولة طعن!