القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي
الخميس 9 كانون الأول 2021

أزمات لبنان والأونروا تهدد المستقبل التعليمي لطلاب المخيمات الفلسطينية


الأربعاء، 17 تشرين الثاني، 2021

يُضيء انهيار تعليم الفلسطينيين في لبنان على واقع مخيماتهم الشبيهة بأحزمة البؤس، ويرتبط هذا الواقع بالانهيار غير المسبوق في لبنان الذي أثر على المجتمعات المستضعفة كالفلسطينيين الذين لا يتمتعون بكامل الحقوق المدنية، وصاروا عرضة لابتزاز أرباب العمل.

تسير أم أحمد (40 عاما) مع أبنائها الصغار في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين شمالي لبنان. أحدهم يحمل محفظة مدرسية، وآخران يحملان أكياس الخضار.

تأسف الأم الفلسطينية على استغنائها عن تعليم اثنين من أبنائها، يعملان مقابل دخل زهيد لإعانتها في مصروف المنزل، وتقول للجزيرة نت إنها -كآلاف الأسر هنا- غير قادرة على تحمل أعباء التعليم وكلفة القرطاسية والنقل، وبعد أن كانت تحلم بتخرج أبنائها من الجامعة، قالت: "اقتصرت طموحاتنا على توفير قوتنا، بعدما سحقنا انهيار لبنان، فأسعار السلع الأساسية هائلة قياسا لقدراتنا".

هشاشة المخيمات

ولا تختلف الحال في بقية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، البالغ عددها 12 مخيمًا، إذ يسيطر فيها البؤس على يوميات الفلسطينيين، ومعظم شبانهم يجولون بلا جدوى، إثر تفشي البطالة والتسرب المدرسي.

وأمام حائط مبنى متهالك، يجلس 5 شبان أعمارهم دون العشرين، يتشاركون النرجيلة ويلهون بلعب الورق "الشدّة". يقول علي (18 عاما): "نتسلى بالشارع من كثرة الملل، لأننا لا نعمل ولا نتعلم".

وكحال الطلاب اللبنانيين، انطلق العام الدراسي للطلاب الفلسطينيين في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وهم مثقلون بأزمات تهدد مستقبلهم، بعد نحو عامين من تعثّر التعليم بسبب كورونا وانهيار البنى التحتية التي حرمتهم من فرص عادلة للتعلم الرقمي (عن بُعد) داخل المخيمات.

ويحمّل البعض الأونروا مسؤولية تدهور أوضاع الطلاب الفلسطينيين، بسبب تقليص ميزانيتها، بينما يرى آخرون أن المسؤولية تشاركية بين الأطراف الموكلة برعاية مخيمات الفلسطينيين، خصوصا أنهم من الفئات الهشة في لبنان لاعتبارات عدة، منها: حرمانهم من التأمين الصحي، ومن مزاولة عدد كبير من المهن، ووجود آلاف الفلسطينيين غير المسجلين لدى الدولة أو الأونروا، أي أنهم بلا شخصية قانونية ولا يحصلون على الخدمات المستحقة.

عودة مضطربة إلى المدارس

وفتحت مدارس الأونروا في 27 سبتمبر/أيلول 2021 عامها الدراسي الأول، ولجأت للتعلم المدمج بالتناوب بين الحضوري والمنزلي للحد من انتشار كوفيد-19، وفق تصريح الناطقة الرسمية باسم الأونروا في لبنان هدى سمرا للجزيرة نت.

ويبلغ عدد مدارس الأونروا في لبنان 65 مدرسة للمراحل الابتدائية والتكميلية، منها 9 ثانويات فقط، ويتعلم فيها حوالي 39 ألف طالب، بينهم نحو 5 آلاف لاجئ فلسطيني من سوريا، ويدرّسهم قرابة 1400 أستاذ، بحسب سمرا التي أضافت أن الأونروا لا تقدم خدمات التعليم الجامعي.

وتقرّ الناطقة الرسمية بمواجهة مدارس الأونروا تحديات كبيرة هذا العام، وفي طليعتها الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، لكن انهيار الليرة وتآكل مداخيل الأسر، أثّر -برأيها- على قدرة اللاجئين الفلسطينيين في تأمين مستلزمات أبنائهم التعليمية.

وقالت إن الوكالة بصدد إنجاز دراسة لبحث توفير مساعدات لنقل الطلاب، وفق معايير تراعي عدد أولاد العائلة، ووضعها المادي والمسافة بين مكان الإقامة والمدرسة.

وحتى يونيو/حزيران 2021، بلغ عدد الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا حوالي 485 ألف لاجئ، لكن الوكالة الدولية تقول إن الموجودين منهم في لبنان نحو 210 آلاف لاجئ يعيشون في لبنان، بينهم 28 ألف لاجئ فلسطيني من سوريا.

نكبة التعليم

وبحسب الناطقة باسم الوكالة، فقد بلغ معدل التسرب السنوي من مدارسها حوالي 0.45%، لكن الصحفي الفلسطيني أحمد الحاج علي يقول إن هذا المعدل غير واقعي، مشيرا إلى أن المخيمات تكتظ بالفتيان الذين انفصلوا عن التعليم.

ويقيم الحاج علي في مخيم برج البراجنة، وهو خبير بشأن اللاجئين الفلسطينيين، ويعمل أستاذا متطوعا في أحد معاهد الدعم داخل المخيم، ويصف واقع المخيمات التعليمي بـ"النكبة الثانية"، نظرا لتفشي التسرب المدرسي. مذكرًا الأونروا بإعلانها سابقا أن 6% فقط من الطلاب الفلسطينيين في لبنان يلتحقون بالتعليم الجامعي، مقابل نسب تعليم مرتفعة في فلسطين رغم الاحتلال.

ومنذ بداية صراع الفلسطينيين مع إسرائيل -بحسب الحاج علي- أدركوا أن التعليم أساس في مواجهة الاحتلال، فركزوا عليه في الداخل وفي الأقطار التي لجؤوا إليها.

وفي منتصف الخمسينيات، عاش مخيم برج البراجنة زخما تربويا، وفق شهادته، إذ كان يتوجه عشرات الطلاب إلى جامعات بيروت.

ويعتبر الصحافي الفلسطيني أن أداء الأونروا قبل 1982 اختلف عمّا بعده، وهو العام الذي شهد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، والتي كانت تدفع اللاجئين إلى التعليم.

اللجوء لتعليم خاص

ومن الظواهر اللافتة داخل المخيمات، وفق الحاج علي، لجوء شريحة واسعة إلى التعليم الخصوصي بالمعاهد المجانية، أو مع أساتذة. لأن "المستوى الأكاديمي بمدارس الأونروا ضعيف جدا، ومعظم الطلاب لا يكتسبون الأساسيات التعليمية، وغالبا لا يتجاوز الطالب صفه إذا اعتمد فقط على تعليم مدارسها".

ويلفت الصحافي إلى وجود نحو 75 موقعا وظيفيا شاغرا بمدارس الأونروا، مستغربا عدم معالجتها للخلل قبل انطلاق العام الدراسي.

من جانبه، يقرّ أيضا مدير مكتب لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني عبد الناصر الأيي بسوء التعليم في مدارس الأونروا، وإليه يرجع التسرب المدرسي وارتفاع معدلات الرسوب بالشهادات الرسمية وانسداد فرص العمل بعد التخرج، إلى جانب أسباب ضعف البنى التحتية، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار المحروقات إلى أرقام قياسية، وتدهور العملة اللبنانية أمام الدولار.

وأشار الأيي إلى أن لجنة الحوار تركز على ملف التعليم، بالتواصل مع وزارة التربية والأونروا، وذكر أن نحو ثلث الطلاب الفلسطينيين يتعلمون في مدارس خاصة ورسمية لبنانية. وقال -للجزيرة نت- إن معاناة اللبنانيين التي أدت لنزوح شريحة واسعة إلى التعليم الرسمي، ستؤثر حتما على حظوظ الفلسطينيين، لأن الأولوية في المدارس الرسمية المجانية للطلاب اللبنانيين.

شقاء المخيمات

يُضيء انهيار قطاع تعليم الفلسطينيين على واقع مخيماتهم الشبيهة بأحزمة البؤس، ويقول الأيي إن لبنان يعيش انهيارا تاريخيا أثر على المجتمعات المستضعفة كالفلسطينيين الذين لا يتمتعون بكامل الحقوق المدنية، فصاروا عرضة للابتزاز من أرباب العمل.

وتبلغ الميزانية الإجمالية للأونروا في لبنان لعام 2021 حوالي 186 مليون دولار، نصفها تقريبا يأتي من المشاريع، بحسب هدى سمرا التي قالت إن مشكلة تمويل الأونروا مزمنة وسببها عدم تقديم الدعم الكافي للوكالة.

وهذا العام، استأنفت الولايات المتحدة تمويلها للأونروا، بحسب المتحدثة، لكن عددا من الدول خفضت مساهماتها و"وصلنا إلى عجز مالي يقدر بـ100 مليون دولار"، وأصبحت الوكالة "لا تملك تمويلا كافيا لدفع رواتب أكثر من 27 ألف موظف بكافة الأقاليم عن شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2021".

وقالت "لا تستطيع الوكالة الحفاظ على خدماتها لملايين اللاجئين دون تمويل إضافي"، مشيرة إلى مؤتمر دولي سيعقد في 16 نوفمبر/تشرين الثاني برعاية السويد والأردن، وسيكون فرصة مهمة برأيها لإيجاد آليات لدعم أكثر استدامة.

المصدر : جنى الدهيبي - الجزيرة