القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي
الخميس 9 كانون الأول 2021

تقارير إخبارية

التطريز فن فلسطيني يروي حكايات شعب وذكريات وطن


الجمعة، 12 تشرين الثاني، 2021

تعمل المرأة الفلسطينية اللاجئة في لبنان من أجل الحفاظ على هويتها الوطنية وتراثها الشعبي وتجتهد من أجل ترسيخها وتوريثها للأجيال القادمة، والتطريز من أجمل ما يميز التراث الفلسطيني فهو يعبر عن العراقة، ويعتبر من الفنون الأصيلة التي تحولت عبر التاريخ إلى حرف وتطورت لتصبح مورد رزق لفئة كبيرة من الفلسطينيات في لبنان. وقد رافق هذا التطور ابتكار نماذج عصرية جديدة ذات قيم جمالية عالية مستوحاة من أصالة هذه الحرفة.

ويعتبر فن التطريز من الفنون الشعبية الفلسطينية المتوارثة عبر الأجيال، والتي تطورت مع مرور الزمن إلى حرفة، حيث توفرت فيها خصائص تتلاءم مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وقد امتازت المرأة الفلسطينية، بإتقانها لفن التطريز، فاستعملته في الكثير من مجالات الحياة، وزينت به بيتها وثوبها وأدواتها الخاصة، مستوحية رسوماتها وزخرفتها وألوانها من طبيعة بلادها وبيئتها المحلية، لهذا التطريز يختلف من منطقة فلسطينية إلى أخرى في تنسيق الألوان والرسومات، فلكل منطقة جغرافية عناصرها ومكوناتها وتشكيلاتها الزخرفية المستمدة منها والمناسبة لها.

ويعد التطريز الفلسطيني من أرقى الأشغال اليدوية حيث يعتمد على الدقة والمهارة والصبر.

والتطريز برسوماته وأنواعه خضع لتغيرات أساسية مع مرور الزمن، إذ يلاحظ في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين أن الأنماط والرسومات التطريزية الفلسطينية كانت هندسية الشكل في المقام الأول.

ومن الطريف أنه يمكن معرفة المرأة الفلسطينية إلى أي منطقة تنتمي في فلسطين بمجرد النظر إلى ثوبها المطرز.

وتنشط جمعيات ومعارض ومؤسسات فلسطينية في لبنان بفن التطريز وصناعة التراثيات، تمسكا بكونها طريقة مؤثرة في مسيرة النضال الفلسطيني، ومجالا للعمل والإنتاج لمئات الفلسطينيات في لبنان.

«القدس العربي» جالت على جمعيات ومعارض داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تعنى بالتطريز والتراثيات الفلسطينية، واطلعت على أعمالها والتقت المشرفات والعاملات في مجال التطريز.

وتعدد المدربة في معهد التطريز الفلسطيني في مخيم البص قرب مدينة صور، زهرة شحادة أشكال التطريز الفلسطيني وأنواعه، وتقول «إن للتطريز أماكن على مساحة الثوب، فثمة تطريز ضمن مربع على الصدر يُسمّى القبة، وعلى الأكمام ويسمّى الزوائد، وعلى الجانبين ويسمّى البنايق أو المناجل. ويطرّزون أيضاً أسفل الظهر في مساحات مختلفة. وقلّما يطرّزون الثوب من أمام، إلا أثواب الزفاف، فيكثرون تطريزها أو يشقون الثوب من أمام، وتلبس العروس تحته شروالاً برتقالي اللون أو أخضر».

وتضيف شحادة، أما الرسوم التفصيلية فتكاد لا تُحصى، ومنها: الأمشاط، وسكة الحديد، والدرج، والسلّم وفلقات الصابون، والنخل العالي، وعناقيد العنب، والتفاح، والسنابل، وقواوير الورد، وقدور الفاكهة، والبندورة، والخبازي، والزهور، والورد، وسنان الشايب، ومخدّة العزابي، وشيخ مشقلب، وثلاث بيضات، وشبابيك عكا، وعلب الكبريت، والمكحلة، والحية، والعربيد، والعلقة، وشجرة العمدان، والقمر المريّش، والأقمار، وقمر بيت لحم، والفنانير، والقلايد، والريش، والفاكهة، والقرنفل، والحلوى، ومفتاح الخليل، وطريق حيفا، وطريق التبان، وطريق النبي صالح، وطريق يافا، وطريق القدس.

وأهم الغرز كما تشير شحادة فهي: التصليبة، والتحريري، واللف، والسناسل، والمد، والتسنين، والزكزاك، والتنبيتة، والماكينة، وزرع الحرير.

واعتبرت أن أجود أنواع القماش للتطريز هي الكتان والقطن، لأن تربيع نسجهما واضح، وعد القطب سهل، ولذا تتساوى الوحدات الزخرفية وتستقيم وتتعامد بدقة. ومنهم من يستخدمون الصوف إذا كان خشناً.

وأشارت المدربة إلى أن الخيوط المستخدمة في التطريز هي أربعة أصناف:

الخيط الحريري: أغلى الخيوط وأثقلها، ولا يُلبس إلا في الاحتفالات.

الخيط القطني: يطرّز به على كل أنواع الألبسة.

الخيط المقصب: اشتهرت بها القرى والبلدات في شمال فلسطين واللاجئات في لبنان يطرِّزون به السترة والتقصيرة، وفي الثوب الدجاني الأبيض يطرّز به أعلى الصدر والكمين على قماش المخمل.

خيط الماكينة: يُطرّز به على قماش الساتان فقط، بالآلة. ويُستخدم هذا الخيط أيضاً في وصل أجزاء الثوب بعضها ببعض، ويطرِّزون فوق الوصلة بخيط حرير.

وتتوزع الأقمشة المطرزة على الطاولات والمقاعد وسط قاعات وعند زوايا معاهد التدريب والخياطة، تنبعث الألوان من خيوطها كأنها قوس قزح، الثياب، والمخدّات والطنافس والشراشف.

أن لنماذج التطريز المختلفة أبعادا رمزية واجتماعية من المؤكد أن لها صلة بالطبيعة الفلسطينية، ولكل شكل من أشكال الحيوانات أو النباتات أو الأشكال الهندسية الأخرى في نماذج التطريز لها جذور قديمة كانت تعبر عن معتقدات معينة، كما كانت لها وظائفها الخاصة. ولكن هذه الرموز لا تظل ثابتة على مر الأيام، فالكثير منها اليوم يستعمل للزينة بدون وعي المرأة التي تطرز هذه الأشكال لرموزها الماضية.

وفي رأي الحاجة أم سامر الخبيرة في فن التطريز أن التطريز الفلسطيني تأثر بالتطريز العثماني وظهرت إبداعات فنية للفتاة الفلسطينية لامتلاكها قدرات ابتكارية كبيرة استطاعت أن تغير في كثير من الأشكال المكتسبة التي تتناسب مع بيئتها التي تعيش فيها.

واعتبرت أم سامر اللاجئة في مخيم البرج الشمالي، أن التطريز من الهوايات المفضلة عند المرأة الفلسطينية في لبنان، وهناك الكثير من النساء احترفن هذه الهواية حتى أصبحت تدرس في كثير من المعاهد التي تشرف عليها وكالة غوث الفلسطينيين والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والجمعيات والمؤسسات غير الحكومية.

وأكدت أن الزي الفلسطيني يتكون من أثواب مطرزة يدويا بخيوط الحرير ويتخذ تصاميم تختلف من منطقة إلى أخرى، فتتنوع النقوش بين شجرة السرو وعناقيد العنب وشجرة التفاح، وطائر الديك، وطائر الحمام، وقوس قزح، والورود، وطيور الجنة، وتابعت القول «التطريز الفلسطيني لا يقتصر على الملابس وحسب، بل تعدى ذلك ليشمل الإكسسوارات والأثاث والتحف، كالمفارش والوسائد والمحافظ وغيرها، من هنا تم إدخال التطريز الفلسطيني في لبنان إلى أثاث البيوت والزينة والإكسسوارات وزي العروس في ليلة زفافها، كما وأدخل في الكثير من الصناعات اليدوية أيضا».

يعتبر التطريز من أقدم الأشغال اليدوية التي مارستها المرأة الفلسطينية في لبنان، وأتقنت إنتاجها وبرعت فيها، فالتطريز برأي أم سامر ما هو إلا استمرار لحضارة وجدت على مر السنين.

لم تكتف المرأة الفلسطينية بما تنقشه على ثوبها بل زينت معصمها وكواحلها بالقطع الفضية التي يصنعها الرجل الفلسطيني بإتقان. وزينت بالخرز الأزرق والعقيق والصدف وكبش القرنفل ذي الرائحة الذكية. كما أنها تضع قطع العملة حول لباس رأسها وهذه القطع تجمعها العروس في فترة الخطبة من النقوط والعريس والأقارب.

الفلسطينيات في لبنان اليوم، يطرزن على القماش، ينقشن في الذاكرة خيوط الهوية، لذلك يعتبر فن التطريز رمزا للهوية الفلسطينية وهو سلاح يمكن من خلاله مواجهة كل من يريد تفكيك وطمس وتذويب هذه الهوية ومحو أو تزييف أو سرقة التراث، ففي مخيمات الشتات توارثت أجيال النسوة هذا الزي القروي الجميل المزركش، كل نقشة فيه هي طقوس فريدة من طقوس المقاومة، خطتها إبرة رفيعة وخيطان ملونة، ترسمها خيطاً خيطاً، لتحفظ حكاية شعب يعاند النسيان وذاكرة حيّة رغماً عن اللجوء.

لقد تأثر التطريز بالكثير من العوامل التي أدت إلى تراجعه وانحساره وعدم بروزه في العصر الحديث رغم تمسك كبار السن بهذا الفن لعدم تقبلهم ترك عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم، ومن هذه العوامل التطور والانفتاح الحاصل على عالم الأزياء، فأغلب الشباب من كلا الجنسين يواكبون الموضة مبتعدين عن كل ما هو قديم وهذا أول العوامل التي أدت إلى تراجع هذا الفن، وهناك عامل آخر يتعلق بمحاولات الاحتلال الإسرائيلي طمس الهوية الفلسطينية وتراثها بل وسرقتها، ومن هنا بدأ الفلسطينيون داخل وطنهم وفي مخيمات الشتات في لبنان، مرحلة الإحياء والتجديد حيث أصبحت المطرزات التقليدية تشغل مساحات كبيرة من معظم المعارض الفلسطينية التي تنظم في المدارس والمؤسسات والجامعات والجمعيات.

لقد اجتاز اللاجئون الفلسطينيون مرحلة الخطر على التراث وفقدان ثقتهم بموروثاتهم، أولا بسبب العودة اليوم إلى الثوب والمصنوعات التراثية والفولكلورية، وثانيا، كثرة المتاحف والمعارض والدراسات والمؤسسات المنتجة التي تهتم بالأزياء التراثية والتطريز.

وبالتالي، الحفاظ على التراث هو من أولويات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ يحرص الكبار على توريثه إلى أبنائهم بطرق عديدة أبرزها التطريز وذلك لدوره المشهود في الحفاظ على الإرث الفلسطيني وبقائه حيا، مما جعل العمل الذي تقوم به الفلسطينيات وجها من أوجه الصمود والبقاء ضد محاولة سرقة هذا الإرث من أهله .

المصدر: القدس العربي - عبد معروف