الفقر يحول الإحتياجات المدرسية إلى ترف
في غزة
الأربعاء، 23 آب، 2017
يقول خبراء الاقتصاد إن الغزيين يستقبلون
العام الدراسي الجديد وعيد الأضحى المبارك في ظل أوضاع اقتصادية صعبة للغاية، وارتفاع
معدلات الفقر والبطالة بشكل جنوني حتى أن بعضهم لن يستطيع توفير اللوازم المدرسية لأبنائه.
حسين أبوحسين (45 عاما) من مخيم الشاطئ
للاجئين غرب مدينة غزة، لم يقدر على تلبية احتياجات أبنائه للعام الدراسي الجديد الذي
ينطلق الأربعاء، بسبب ضيق الحال وظروفه الاقتصادية الصعبة.
أبوحسين الذي يعاني العديد من الأمراض كالقلب
والسكري، قال "لست قادرا على شراء مستلزمات المدارس لأبنائي هذا العام، بسبب أوضاعي
المادية السيئة للغاية”، مشيرا إلى أنه عاطل عن العمل منذ سنوات ويعتمد على المساعدات
الإنسانية.
وأضاف "لي ثلاثة أبناء في المرحلتين الإعدادية
والثانوية، وهم يحتاجون إلى أكثر من ألف شيقل لتلبية احتياجاتهم المدرسية، من زي وحقائب
وقرطاسية ولا أملك شيئا من هذا المبلغ”.
وتشير التقارير إلى أن نسبة البطالة في
قطاع غزة تجاوزت 41 بالمئة، فيما وصلت نسبة الفقر إلى أكثر من 65 بالمئة.
أب بلا عمل
أبوحسين الذي يعيل أيضا ثلاثا من عمّاته
الأرامل، ينتظر بفارغ الصبر مخصصات الشؤون الاجتماعية والمساعدات الغذائية التي يحصل
عليها من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا”، ومؤسسات
خيرية أخرى.
ويعتمد 80 بالمئة من سكان القطاع على المساعدات
الإنسانية المقدمة من "الأونروا” ومنظمات إغاثية عربية ودولية مختلفة. وتساءل أبوحسين
وملامح الحزن بادية على وجهه "لمن ستكفي مخصصات الشؤون الاجتماعية، هل ستكفي للديون
أم للمدارس أم للعيد؟”.
أطفال حسين ليسوا الوحيدين الذين سيعودون
إلى المدرسة في غزة دون حقائب ولا أدوات مدرسية ولا ملابس جديدة.
يارا (13 عاما) في الصف السابع، بدا الحزن
على وجهها لأنها لن تتمكن من شراء ملابس جديدة هذا العام، وستضطر للذهاب إلى المدرسة
بملابس وحقيبة العام الماضي.
وقالت إنها غالبا ما تذهب في بداية كل عام
دراسي جديد بنفس ملابس العام السابق، بينما زميلاتها يلبسن أزياء جديدة ويحملن حقائب
جديدة، مشيرة إلى أنها أحيانا تحصل على حقائب جديدة كتبرعات من أهل الخير ومؤسسات إغاثية.
ومن المقرر أن يتوجه الأربعاء حوالي مليون
وربع المليون طالب إلى المدارس والجامعات في مختلف المحافظات الفلسطينية.
والعائلات التي تعاني من ضيق ذات اليد وتعيش
على المساعدات الاجتماعية كثيرة في غزة وفي كل سنة تعاني من أزمة توفير مستلزمات الدراسة،
خاصة وأن العودة المدرسية تتزامن مع عيد الأضحى وسبقها رمضان وعيد الفطر.
حسن أب لستة أطفال ويعمل بالإعمار يقول
"أعاني يوميا في توفير الطعام وكسوة الأولاد، فكيف يمكنني شراء لوازم مدرسية لهم؟”.
أبناء حسن يدرسون كلهم في المدرسة، ويستخدم
أطفاله ذات الملابس والحقائب المدرسية التي بدأت تتقادم وتتهتك، فهم في كل سنة يتقاسمون
قلم الرصاص من خلال كسره إلى أجزاء كما يتقاسمون الممحاة ويظل حلمهم بالدفاتر الجديدة
وأقلام الحبر بعيدة المنال في هذه السنة.
ويفكر حسن أن يحيل سامي أكبر أطفاله الذي
بلغ الـ14 سنة إلى سوق الشغل ليساعده على توفير مستلزمات البيت ويساعد إخوته في إكمال
دراستهم، حسن لا يعرف ماذا يفعل، أحيانا يفكر في أن يترك بناته الثلاث في البيت متسائلا
في ما ستنفعهن الدراسة، فهو كل سنة يتيه عاجزا عن تحقيق ما يريده أطفاله.
سامي ابن حسن هو طالب جاد ومثابر، يعترف
بأنه يشعر بالحزن والأسى عندما يرى الأطفال الآخرين في المدرسة يرتدون الملابس الجديدة،
ويحملون المواد المدرسية الجديدة، في الوقت الذي حُرم فيه هو وإخوته من هذه الأشياء.
يقول وهو يضع يده داخل فجوة كبيرة في حقيبته
القديمة "أتمنى أن أكون مثل الأطفال الآخرين، وأمتلك فقط حقيبة مدرسية وقلم رصاص جديدا
وكاملا لاستخدامه في المدرسة”.
القرطاسية سلعة أساسية في مواسم العودة
إلى المدارس والجامعات، ومع الغلاء وتلاعب بعض التجار بأسعار السلع زادت معاناة الأسر
الفلسطينية في غزة.
يتجول أبوسيف في السوق مع طفليه، قائلا
إنه بالكاد استطاع توفير بعض المال، واليوم يتعين عليه الاختيار، إما شراء الملابس
وإما شراء الحقائب الجديدة، وبالطبع، لا يرضى بهذا الخيار لا أولاده ولا زوجته، ولكنه
عاطل عن العمل قسرا، وليس هناك شيء يمكنه القيام به لتوفير المال اللازم لتوفير حاجيات
الأسرة رغم قلة عددها.
ويقول أبوسيف "في السابق، كنت أستطيع شراء
معظم احتياجات أسرتي، ولكن الآن لا أستطيع حتى أن أتحمل نفقة زوجين من الأحذية من صنع
الصين”، أثناء تفحص زوجته لزي مدرسي ترغب بشرائه لبنتيهما.
وفي الماضي، كان أبوسيف قادرا على شراء
بضائع من نوع جيد لأطفاله، ولكنه لم يخرج من غزة لمدة تسع سنوات، لذا لم يستطع أن يجلب
الفرحة لأبنائه مع دخول العام الدراسي الجديد، ويقول "من المؤلم للغاية على الأب ألا
يكون قادرا على توفير احتياجات أطفاله”.
ويشتكي أبوسيف من غلاء أسعار المواد المدرسية
مقارنة بالسنة الماضية، ويتفق معه أهل القطاع. وتتهم عزة أم الأربعة أطفال التجار باستغلال
حاجتهم للسلع المدرسية بشكل كبير تساعدهم فئة من الناس الذين يقبلون على الشراء بهذه
الأسعار غالية الثمن، مؤكدة أنه كلما اقترب افتتاح المدارس كلما تمسك التجار بالأسعار
ورفعوها أكثر.
وتؤكد أنه إن تمكنت من شراء القرطاسية فلن
تتمكن من شراء الأزياء المدرسية والحقائب لجميع أطفالها، فالأسعار كما تقول ليست في
متناول الجميع وهي خيالية لا تناسب المستوى المعيشي في غزة.
وبينما اعتبر بعض الأهالي أن هناك مبالغة
في أسعار بعض المواد، يرى التجار أنها في متناول الجميع وأنها تواكب آخر صيحات الموضة
في عالم القرطاسية.
ويرى محللون أن الأوضاع الاقتصادية المتردية
في قطاع غزة تلقي بظلالها على التجار الذين بدورهم حملوها للمواطنين بطريقتهم الخاصة.
ويقول التاجر محمود "الدخل في غزة يقل كل
عام عن الأعوام السابقة لذلك تقل القدرة الشرائية في السوق، كذلك إن المحرك الرئيسي
للسوق هم موظفو رام الله”، مؤكدا أن ارتفاع الأسعار يعود إلى ارتفاعها من المصدر.
ويؤكد أن الأسعار في متناول الجميع إلا
أن المشكلة تكمن في شح الأموال لدى المواطنين، مضيفا "لا توجد أموال نقدية مع الناس
إلا أولئك المضطرين للشراء من الموظفين”.
ويشير محمود إلى أن هناك فئة قليلة من الناس
التي تقبل على الشراء، مبينا أن الجميع ينتظر العروضات على السلعة حتى في السلع المدرسية
لشرائها، مؤكدا أن الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها القطاع لا تساعد على الشراء.
ويقول أبوإياد صاحب محل تجاري "ان الإقبال
على مستلزمات المدرسة ضعيف وقليل جدا ولا يرقى إلى التوقعات التي رسمها التجار عن الموسم
المدرسي”، وعن أسباب عدم الإقبال هذا العام يقول أبوإياد ليس لجميع المواطنين القدرة
على شراء الزي المدرسي بالكامل فالأوضاع الاقتصادية تحد من قدرات المواطن على تلبية
كافة احتياجاته.
وأضاف أبوإياد أن موسم العام السابق أفضل
بكثير من العام الحالي والوضع الاقتصادي في الأسواق يزداد سوءا عاما بعد عام.
وقبل شهر من الآن، اشترى ياسين شاده عدة
شحنات من حقائب الظهر المدرسية، على أمل بيعها، ولكن السوق مخيب للآمال هذا الموسم،
ويقول "الكثير من الأشخاص يأتون يقلبون البضاعة، ولكنهم لا يشترون”.
ياسين يعاني من أزمة خانقة، وهو عالق ما
بين المطرقة والسندان؛ فإذا لم يشترِ الزبائن البضائع، لن يحصل على الأموال ولن يكون
قادرا على دفع المال للمورد، فعلى الرغم من أن الطلب يشهد تزايدا مستمرا، بيد أن الزبائن
لا يملكون المال الكافي لشراء البضائع، تزامنا مع وقوف الاقتصاد في غزة على شفا حفرة
من الانهيار.
سوق العمل مصير الأطفال
في سوق مخيم الشاطئ للاجئين، يقف سامر البالغ
من العمر 12 عاما بجانب محل لبيع الزي المدرسي، ولكنه لا يملك المال الكافي لشراء قميص
مدرسي ليبدأ به عامه الدراسي الجديد.
وفي العطلة الصيفية ينزل سامي إلى السوق
ليشتغل، لكنه مع ذلك لم يستطع توفير ثمن اللوازم المدرسية، فجميع ما يكسبه خلال الصيف
ينفقه على عائلته بعد أن توفي والده منذ عدة سنوات، ملقيا على عاتق الطفل مسؤولية العثور
على عمل لإعالة أشقائه الأربعة، حيث يعمل في الكثير من الأحيان في السوق بحمل الصناديق
والأكياس البلاستيكية للزبائن.
سامر تراوده فكرة أن يترك الدراسة نهائيا
ويهتم بإعالة الأسرة، لكن هذا الإحساس بترك الدراسة يبعث فيه حزنا خوفا على مستقبله.
ووفق المكتب المركزي الفلسطيني للإحصاء،
فإن عمالة الأطفال قد ارتفعت كثيرا خلال السنوات الخمس الماضية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية
في قطاع غزة.
ويتحدث سامر عن صديقه وليد المقيم في بيت
لاهيا في شمال قطاع غزة، الذي ترك مدرسته وانصرف إلى جمع الحصى ومخلفات المنازل المدمرة
لبيعها مقابل المال من أجل مساعدة عائلته.
ويقول سامر "ترك المدرسة، واشتغل بجمع الحجارة
والأنابيب البلاستيكية من مخلفات المنازل المدمرة ليوفر المصروف لشقيقه وشقيقته، لأن
والده عاطل عن العمل”. أما أحمد (13 عاما) فلا يذهب كغيره من الأطفال كل صباح إلى المدرسة
بل يذهب إلى العمل، يقول "كل يوم أذهب وأبحث عن المعادن والحصى تحت أنقاض المنازل التي
دمرت في الحروب السابقة، كل يوم أحمل الفولاذ والحجارة وأضعها على ظهر حمار وأذهب إلى
السوق لبيعها للشركات التي تستخدمها لتصنيع ومواد البناء. إنه عمل صعب جدا”.
والد أحمد مريض ولا يمكنه العمل. وتعيش
الأسرة المكونة من 11 فردا في مأوى من الصفيح في منطقة فقيرة قرب مدينة غزة، وهم يتلقون
المساعدة من مؤسسات خيرية، ولكنها لا تكفي لسد احتياجاتهم.الحالات الاجتماعية الصعبة
تضفي جانبا مظلما على مستقبل الأطفال في قطاع غزة، الذين سيجبرون عاجلا أم آجلا على
البطالة المبكرة أو سوق الشغل الذي سيكون شاقا في ظل غياب الاختصاص والمهارات لهؤلاء
الأطفال.
المصدر: وكالات