القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي
الأحد 5 كانون الأول 2021

الحدث الامريكي الافغاني والدروس الفلسطينية المطلوبة

على كل جهة سياسية متعاونة مع الولايات المتحدة في منطقتنا ان تدرس ما جرى في أفغانستان..

ما جرى في أفغانستان نموذج عن سياسات الولايات المتحدة وادارتها لتحالفاتها وسلوكها تجاه حلفائها، ومثال على كيفية تحديد واشنطن اولوياتها وتعاملها مع الأطراف القوية.

عام 2001 وبعد تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك، وضعت واشنطن خطة لاحتلال أفغانستان، وادعت انها تهاجم مجتمعا لا يعرف الحضارة، وعملت الأدوات السياسية والاعلامية الأمريكية وحلفائها على تشويه صورة المجتمع الافغاني وتاليا حركة طالبان وتاليا الدين الإسلامي.

احتلت الولايات المتحدة أفغانستان وادعت انها ستبني مجتمعا حضاريا ديمقراطيا هناك.

بدأت واشنطن في ما قالت إنه بناء المجتمع الافغاني : بناء إدارات الدولة، تدريب الجيش والقوى الأمنية، إجراء انتخابات، دفع اموال للتنمية.. الخ..

عملت الأدوات السياسية والاعلامية الغربية على تصوير أفغانستان واحة للمدنية والليبرالية.. وانفقت الادارات الأمريكية المتعاقبة خلال 20 عاما الفي مليار دولار. (2 تريليون).

خطوة واشنطن لاقت ترحيبا عالميا، واشادت بها مؤسسات دولية، لتفاجيء الإدارة الأمريكية العالم بقرار الانسحاب من أفغانستان.

فجأة تم اخراج أفغانستان من الاستراتيجية الأمريكية وابعدت أفغانستان عن مشروع تأهيل المجتمعات وتخلت واشنطن عن اهدافها المعلنة تجاه كابول.

واشنطن حاورت طالبان على الية الانسحاب من افغانستان، وحاولت طمأنة حلفائها تجاه المستقبل الافغاني، واشادت كثيرا بقدرات الدولة الأفغانية والجيش في التعامل مع التطورات.

لكن خلال اسابيع قليلة انهار كل ما اقامته واشنطن في افغانستان : سقطت الولايات الافغانية، انهارت خطوط الدفاع، غابت سلطة الدولة، عجزت الحكومة عن التعامل مع اندفاعة طالبان، فشل الجيش الذي دربته واشنطن وجهزته وتعداده 300 الف جندي، واخفقت الاجهزة الأمنية.

دخلت واشنطن في مأزق فهي لم تقدر على حماية ما اسسته في أفغانستان، لا بل لم تقدر على حماية مؤسساتها ومراكزها ولم تستطع سحب عملائها خلال وقت كاف، واتلفت محتويات سرية في سفارتها في كابول.

سقط المشروع الامريكي بالكامل في أفغانستان، هذا هو درس للتاريخ لكل من يتحالف مع واشنطن.

لقد رفعت واشنطن حلفاءها في أفغانستان إلى أعلى مستوى، واشادت بهم وانفقت عليهم.. لكنها فجأة تخلت عنهم وتركتهم لمصيرهم.

اهم ما في القضية من عبر ان المجتمع الافغاني انفتح على حركة طالبان ووافق على رؤيتها في التخلص من المحتل، ورحب بقدومها وسهل سيطرتها على الولايات وسلمها السلطة.. لذلك تقدمت طالبان بسرعة فائقة.. سقطت كل الإغراءات الأمريكية أمام منطق المجتمع ومصالحه..

لقد هزم المشروع الامريكي الغربي في كابول وتحطمت غطرسة الجيوش الاوروبية وهزم حلف الناتو واندحرت النظرية الغربية التي تسيء للاسلام والحجاب، وتشوهت صورة الولايات المتحدة في العالم، وانتصر مفهوم حرية الشعوب ومبدأ تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية.. وانتصر مفهوم المقاومة.. كما اخذت القوى الإسلامية في المنطقة مكاسب كبيرة واضحة..

هناك دروس كثيرة ممكن ان نستفيد منها فلسطينيا من الحدث الافغاني أهمها:

1- ليس كل ما يصدر عن واشنطن هو سليم او صحيح او ثابت.. فواشنطن تغير خططها وتبدل استراتيجيتها حسب مصالحها.. انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران وطالبت بوقف الحرب في اليمن وتتحدث عن الانسحاب من سوريا والعراق.

2- ان التحالف مع واشنطن هو تحالف معرض للتراجع او الالغاء حسب مصلحة واشنطن ليس إلا.

3- ان واشنطن لا تلتزم باتفاقيات او مواثيق فهي تناور حسب حاجتها.

4- ان مصير اي قوة سياسية محلية في بلادنا مرتبط بقدرتها على استيعاب مجتمعها وتمثيله والتعبير عنه وعن اهدافه دون تدخل خارجي.

5- ان واشنطن لا تكترث لمصير حلفائها ولا لمستقبلهم.. لقد تخلت واشنطن تاريخيا عن الكثير من حلفائها..

لعل هذه الدروس وغيرها تكون محل مراجعة في ساحتنا الفلسطينية..

المطلوب اليوم في ساحتنا الفلسطينية بعد التجربة الامريكية الأفغانية تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية وتبني خيارات الشعب ومصالحه، توحيد الرؤية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، والثقة أكثر بمشروع المقاومة، وتقليل رهان البعض على الخيار الامريكي، والاتعاظ من هزيمة جيش كابول، وانهيار المؤسسات والاجهزة التي اسستها واشنطن، والتمعن في صورة هروب المتعاملين مع واشنطن..

صحيح ان نظرة الولايات المتحدة للصراع في المنطقة والعلاقة مع الكيان الصهيوني تختلف عن أي قضية أخرى في العالم.. لكن صحيح ايضا ان قيم الحرية والمقاومة والوحدة الوطنية والاستقلال تنتصر دائما..