
متابعة – لاجئ نت|| الأحد، 12 تموز، 2026
لم تكن الرسالة
الإلكترونية التي وصلت إلى بريد مئات الخريجين الفلسطينيين مجرد إشعار إداري عابر؛
بل كانت، بالنسبة لكثيرين منهم، خيط دخان أبيض يتبدد معه حلم "الأمان الوظيفي"
بعد مسار طويل وشاق من الاختبارات والانتظار. بكلمات مقتضبة، طوت وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) صفحة المسابقة التوظيفية رقم (VN 23183)، معلنةً إلغاء
قوائم الاحتياط (الروستر) لوظيفة "معلم التربية الإسلامية" في كافة
مناطق عملياتها.
الوكالة
الأممية، وفي معرض اعتذارها الرسمي للمتقدمين، عزَت هذا القرار المفاجئ إلى
"تغير احتياجات البرامج والمتطلبات التشغيلية"، ودعتهم بعبارات
دبلوماسية إلى "عدم اليأس" ومواصلة البحث عن فرص أخرى عبر المنصات
الموحدة للأمم المتحدة. لكن هذا الاعتذار لم يفلح في استيعاب الصدمة، بل سرعان ما
تحولت الرسالة إلى شرارة أشعلت سجالاً واسعاً يتجاوز حدود "الأزمة
المالية" المعتادة للوكالة، ليمسّ وتراً حساساً يرتبط بالهوية، والوعي،
والخصوصية الثقافية لمجتمع اللاجئين.
الهوية..
"خط أحمر" في مهب التقليصات
في المخيمات
والأوساط الفلسطينية، لم يمر القرار كإجراء فني تفرضه ميزانيات العجز. فقد تداعت
قوى وهيئات فلسطينية؛ من بينها "لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين"،
و"الحراك الفلسطيني المستقل"، و"تجمع الفلسطينيين المهجرين من
سوريا"، لتعلن في بيان مشترك أن قضية الهوية الوطنية والتربية الإسلامية
"خط أحمر" لا يمكن تجاوزه تحت أي اعتبارات مالية أو إدارية.
وينطلق الرفض
الفلسطيني من رؤية ترى في مادة التربية الإسلامية ركيزة بنيوية في المنهاج
التعليمي، وليست مجرد مادة "هامشية" أو ثانوية يمكن الاستغناء عنها عند
أول منعطف تشغيلي. فالأمر -بحسب المحتجين- يتعلق بحق الطلاب في تعليم متوازن يحافظ
على منظومة القيم والأخلاق، ويحمي الشخصية الفلسطينية المغتربة من الذوبان، وهي
الخصوصية التي يفترض بالوكالة الدولية أن تحترمها وتصونها بموجب تفويضها الأممي.
وفي ذات السياق،
جاء موقف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في لبنان ليؤكد هذا البُعد؛ إذ اعتبر
قطاع "العمل الجماهيري" في الحركة أن المادة ترتبط مباشرة بـ "بناء
الإنسان والوعي والتربية السليمة"، مطالبًا الوكالة بالتراجع الفوري وتوفير
التغطية المالية اللازمة مهما كانت التبريرات، منعاً لتحميل الخريجين والطلاب
تبعات الأزمات الإدارية.
قلق من القادم..
هل بدأت علمنة المناهج أم قضم الخدمات؟
خلف الكواليس،
يفتح هذا القرار الباب على تساؤلات أعمق يهمس بها مراقبون لشؤون اللاجئين.
فالتبرير بـ "تغير المتطلبات التشغيلية" يثير وجلاً واسعاً من أن تكون
الأيام المقبلة حبلى بتجميد تخصصات أخرى، مما يهدد الأمان الوظيفي للآلاف من أبناء
المخيمات، ويقلص من جودة التعليم الشامل الذي تقدمه الأونروا.
بين رسالة
الإلغاء الأممية الساعية للتكيف مع الميزانيات، والبيانات الفلسطينية المتشبثة
بالهوية وحقوق الخريجين، تقف المسيرة التعليمية للاجئين عند مفترق طرق جديد؛ حيث
لم تعد القضية مجرد "وظيفة ملغاة"، بل صراعاً متجدداً على الرواية
والوعي، وفيما إذا كانت "الأونروا" تتخفف تدريجياً من أعبائها الثقافية
والإنسانية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه إعادة ترتيب للمنزل الأممي من الداخل.