القائمة

مواقع التواصل الأجتماعي

شريان الحياة في دائرة الاستهداف.. كيف يهدد حصار «الأونروا» الوجود السياسي واليومي للاجئي لبنان؟



متابعة – لاجئ نت|| الأحد، 12 تموز، 2026

لم تعد المخاوف المحيطة بمستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد هواجس سياسية تُناقش في أروقة الأمم المتحدة، بل تحولت إلى واقع يومي ثقيل يطرق أبواب المخيمات الفلسطينية في لبنان. فبالنسبة للاجئين الذين ضاقت بهم سبل العيش، لا تمثل الوكالة مجرد جهة تقدم الإغاثة والتعليم والطبابة، بل هي الشاهد الدولي الأخير على قضية لجوئهم، والضامن السياسي لحق عودتهم المشروعة.

وتأتي هذه التطورات في ظل تقاطعات سياسية ومالية بالغة التعقيد تشهدها كواليس السياسة الدولية مطلع تموز/يوليو 2026؛ حيث أعلن ما يسمى "مجلس السلام" صراحة أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، بالتوازي مع ضغوط مارستها بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة لتخيير الدول المانحة بين استمرار التمويل التقليدي أو تحويله لصالح مشاريع المجلس البديلة.

هذا التمظُهر السياسي عززته دراسة حديثة للباحث ألون ساهر، أُعدت بتكليف من مؤسسة "روزا لوكسمبورغ"، كشفت عن شبكة مصالح إعلامية وسياسية متحالفة مع إسرائيل في واشنطن وبرلين وتل أبيب، تعمل بشكل ممنهج على تشويه صورة الأونروا، بهدف وحيد: تجفيف منابع تمويلها، ونزع الصفة السياسية عن ملف اللاجئين وحق العودة.

خنق تدريجي: العيادات المغلقة والبيوت المتداعية

في استطلاع اعلامي داخل مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة في العاصمة بيروت، تبين أن سيناريو إغلاق الوكالة قد بدأ بالفعل عبر سياسة "القضم التدريجي" للخدمات.

تروي اللاجئة إيمان العلي، من مخيم شاتيلا، ملامح هذا التراجع الملموس؛ إذ أوقفت الوكالة عمل عياداتها خلال أيام نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت والأحد)، وقيدت تغطية العمليات الجراحية التي كانت مكفولة تاريخياً عبر بطاقات الإعاشة، ليجد المريض الفلسطيني نفسه مجبراً على شراء الأدوية على نفقته الخاصة. وتتطابق هذه المعاناة مع شهادة أم أسامة المقدح، التي تعتمد كلياً على الدواء الشهري للوكالة، وتواجه صعوبات بالغة جراء تقليص أيام المعاينة الطبية.

أما على الصعيد الاجتماعي والمعيشي، فإن الغياب الكامل لمشاريع حيوية كترميم المنازل يهدد بكارثة إنسانية. ويلفت عيسى غضبان، أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم برج البراجنة، إلى أن العديد من بيوت المخيم باتت مهددة بالانهيار الفعلي فوق رؤوس قاطنيها جراء تجميد مشاريع الصيانة. ويضيف غضبان رافضاً الطروحات الدولية لعزل قطاع غزة: "نطالب ببقاء الأونروا وإغاثة شعبنا المنكوب في كل مكان، لا سيما في غزة حيث يعيش أكثر من 90% من السكان في الخيام بعد الدمار الهائل".

نزع صفة اللاجئ: معركة الوعي والقرار 194

أبعد من حدود الدواء المفقود وترميم المنازل، تكمن المعركة الحقيقية في البُعد القانوني والتاريخي. إذ يرى اللاجئ عمران، من مخيم شاتيلا، أن غاية الأونروا ونشأتها كانت قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، وأن المحاولات الحالية تهدف إلى إعلان "انتهاء دور اللاجئ" بانتهاء مؤسسته الدولية.

هذه الرؤية يشرحها بعمق أبو النور، مسؤول اللجان الشعبية في مخيم شاتيلا، مؤكداً أن تصفية الأونروا هي تصفية مباشرة للحضور القانوني للقضية الفلسطينية. ويقول: "إنهاء عمل الوكالة يعني أننا خسرنا قضيتنا، وخسرنا حق العودة، والقرار 194، وبالتالي نُزعت عنك صفة اللاجئ".

ويشير أبو النور إلى أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية المستمرة تسعى جاهدة لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني ومساواته بأي لاجئ آخر في العالم، تمهيداً لفرض مشاريع التوطين أو التهجير القسري، مؤكداً تمسك الشارع الفلسطيني بالوكالة "رغم كل تقصيراتها وكل البلاوي التي فيها" كونها الرمزية الدولية المتبقية للقضية.

أزمة اقتصادية خانقة وبدائل مفقودة

في المقابل، تبرز التكلفة الاقتصادية الباهظة لأي توقف محتمل؛ فاللاجئ محمد، من مخيم شاتيلا، يحذر من قفزة غير مسبوقة في معدلات البطالة في حال توقفت مشاريع التشغيل والنظافة والتعليم التابعة للوكالة.

هذا القلق تؤكده اللاجئة أم علي، من مخيم برج البراجنة، مستشهدة باضطرار إحدى قريباتها لدفع 60 دولاراً لإجراء فحوصات طبية أساسية بعد توقف المساعدات الاجتماعية. وفي ذات السياق، يوضح اللاجئ سمير أن المستشفيات الخاصة تطلب مبالغ فلكية لا تقوى العائلات الفلسطينية على تأمينها، في ظل تراجع القيمة الشرائية للمساعدات المالية المحدودة.

ويختم اللاجئ عبد حيدر بالمطالبة بضرورة استمرار الدعم لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني حتى العودة، محملاً بريطانيا المسؤولية التاريخية عن هذا اللجوء المزمن.

تأتي هذه الشهادات الحية لتؤكد أن تفكيك الأونروا ليس مجرد إجراء مالي لعلاج عجز الموازنات الأممية، بل هو مسعى سياسي منظم لتحويل قضية شعب شُرد من أرضه بقوة السلاح، من ملف سياسي دولي محكوم بالقرارات الأممية، إلى مجرد أزمة إنسانية عابرة قابلة للاستبدال والإلغاء.